نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٢
لم يتمكن أحد من الاجابة على السؤال القائل: كيف وبتأثير أية عوامل يصير الجنين ذكراً أو أُنثى؟ أي ان العلم لم يعثر لحد الآن على جواب له، فمن الجائز أن تكون بعض المواد الغذائية أو الأدوية مؤثرة في هذا المجال، لكن المسلم بهِ هو أن تأثيرها ليس مصيرياً وجازماً.ومع هذا فالعجيب مشاهدة تعادل نسبي دائم بين هذين الجنسين (الرجل والمرأة) في المجتمعات البشرية. وإنْ كان ثمة إختلاف فانه ليس بالاختلاف الملفت للنظر.تصوروا يوماً يختلُّ فيه هذا التعادل فتكون نسبة الرجال إلى النساء عشرة إلى واحد مثلا، أو على العكس يكون عدد النساء عشرة أضعاف الرجال، أية مفاسد عظيمة سوف تظهر؟ وكيف سيضطرب نظام المجتمعات البشرية؟ وهل أن المجتمع الذي يكون فيه مقابل كل رجل عشرة نساء أو مقابل كل إمرأة عشر رجال يستطيع أن يوفر لنفسه حياة هادئة؟
لكن الذي خلق الانسان لحياة سالمة، أَوجد هذا التوازن العجيب والغامض فيها. أجل إن الله تعالى ووفقاً لمشيئته وحكمته يهب لمن يشاء ذكوراً ويهب لمن يشاء إناثاً (يَهَبُ لِمَنْ يَشـاءُ إنـاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُور)[١]. لكن هذه المشيئة والارادة محسوبة..
٧ ـ تغيّرات سريعة ومبهمة:
ما هي العوامل التي تجعل من الخلايا الناتجة عن خلية واحدة تأخذ أنواعاً متباينة: خلايا غضروفية، عظمية، عضلية، جلدية، وغيرها؟ هل هو الرحم الذي قدّر مستقبل هذا الموجود فمنح الخلايا أشكالها كلٌ في محلها؟ إنْ كان له مثل هذا الذهن والقدرة والابداع فمن وهبه هذا الذهن والقدرة والأبداع؟!يقول العالم المعروف "الكسيس كارايل" في كتاب "الانسان ذلك المجهول": "كأنَّ كل جزء من الجسم على معرفة بالاحتياجات الحالية والمستقبلية لكل الجسم، وهو يغير نفسه وفقاً لهذه الأحتياجات، للزمان والمكان مفاهيم أخرى عند الأنسجة، لأنها (الأنسجة) تدرك جيداً البعيد كادراكها للقريب والمستقبل كادراكها
للحال، فمثلا تصبح الأنسجة اللينة للأعضاء الجنسية للمرأة في نهاية فترة الحمل ألين واكثر قدرة على الاتساع، وهذا التغيّر يُسهّل عبور الجنين في الأيام اللاحقة عند الولادة، وفي نفس الوقت تزداد خلايا الثدي ويكبر هذا العضو بل إنه يمارس نشاطه وينتج اللبن إستعداداً لتغذية الوليد حتى قبل الولادة.. إن وضع وسلوك العضلات على طول فترة نمو الجنين في رحم الام، يكون وكأنها تعلم المستقبل مسبقاً، فيُراعى إنسجام الأعضاء في لحظتين زمنيتين متفاوتتين أو في نقطتين مكانيتين مختلفتين"
"[١].مهما سمينا هذا الموضوع فانه لن يتغير، لكنه على أي حال يخبر بوضوح عن وجود مبدأ كبير للعلم والقدرة فيما ورائه..
٩ ـ كساء للعظام:
كما قرأنا في تفسير الآية ٥ من سورة الحج، فإن الله ينسب إخراج الجنين من الرحم إلىنفسه (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا) إن هذا التعبير يكشف عن أهمية عملية الولادة التي توصل إليها العلماء في يومنا الحاضر.ما هو العامل الذي ينظم زمان الولادة؟ وما هي الظروف اللازمة لاصدار الأوامر للجنين بالخروج؟ وكيف تُعَدُّ جميعُ أعضاء الجسم لهذا التحوّل المهم؟
وضمن أية عوامل ينقلب جسم الجنين تدريجياً ليخرج رأسهُ إلى الدنيا اولا؟ هل تراه يعلم أن ولادته ابتداءً برجليه غير ممكنة أو أنها عصية جداً؟ مَن يصدر الأوامر لكل عضلات جسم الأم بتسليط أشد الضغوط على الجنين من أجل الخروج؟وتظهر اهمية هذا الموضوع عندما يختل هذا النظام نادراً ويضطر الأطباء إلى عملية "فتح البطن"، وربما كان وجود مثل هؤلاء الأشخاص القلة، إنذاراً للجميع لكي يتفكروا بأهمية هذا الموضوع.بالطبع يمكن في بعض الحالات التنبؤ بزمان الولادة على وجه التقريب، ولكن في بعض الحالات تحصل الولادة قبل الموعد وأحياناً بعده.وهكذا فإن عملية الولادة بكل ما يتعلق بها من أمور محسوبة، إنْ هي إلاّ آية أخرى من آياته..
١١ ـ التغيّرات المذهلة في لحظة الولادة:
ــــــــــــــــــــــــــــ.
[١] تغيض من مادة (غيض) على وزن فيض بمعنى إمتصاص السائل أو إحتوائه، ثم جاءت بمعنى النقصان وكذلك بمعنى الفساد، ولهذا فسر البعض كلمة تغيض في الآية اعلاه بمعنى نقصان الجنين والبعض بمعنى الولادة قبل الموعد وهو المعنى المشهور بين المفسرين، وهو المروي في حديث عن الامام الباقر أو الامام الصادق((عليهما السلام))، كما إن ذيل الآية يدل على ذلك.