نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٧
انَّ استعداد الحيوانات للترويض مسألةٌ مهمةٌ للغاية.ومن اجل ادراك اهمية كلِّ نعمة، لا بد من تصوُّر الحالةَ التي تتحوَّل فيها الحيوانات الاليفة الى حيوانات وحشية، "فالجملُ" يشنُّ هجماتهِ كالفهد ويمزِّقُ الانسان بفكيّه القويتين، ويستخدمُ "البقرُ" قرنَهُ، وترفس الخيلُ بحوافرها مَنْ يقترب منها، حينها لا يمكن اعتبار هذا القطيع من الاغنام والابل والبقر اساسيَ الوجود فحسب، بل وسنستعين بأية آية قاتلة من اجل الخلاص من شرِّها والقضاء عليها، وفي الوقت الحاضر ايضاً تغضب هذه الحيوانات الاليفة احياناً فتشكلُ خطورةً بالغة، فمثلا تُلَقِّنَ الفيلةُ الهنودَ دروساً، وتَشنُّ الجمالُ الغاضبة هجماتها على اصحابها، ومن الممكن ان تنتهي بالقضاء عليهم اذا ما غفلوا، وكأن الله تعالى يريد أنْ يُبرهنَ على أنْ لو اردتُ سلبه أمرَ الطاعة والتسليم والخضوع فستَرَونَ بايِّ صورة تظهر!.وقد عبَّر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة بتعابير مختلفة، فيقول احياناً: (وَذَلَّلْناهـا لَهُم)[١] وحيناً يقول: (سُبْحـانَ الَّذي سَخَّرَ لَنا هـذا وَمـا كُنّا لَهُ مُقْرِنينَ)[٢].وقد اشار الامام الصادق ((عليه السلام)) الى هذه المسألة في توحيد المفضّل، فيقول بعد بيان خلق الانعام:..."ثُمَّ مُنِعَت الذِّهنَ والعَقلَ لِتَذِلَّ للانسانِ فلا تَمْتَنِعَ عَلَيْهِ إذا كَدَّها الكَدُّ الشّديدُ وحَمَّلَها الحِمْلَ الثَّقيلَ".[٣]وبالطبع انَّ عدم امتلاكها للعقل جزءٌ من الدليل على تآلفها، علاوة على هذا انَّ الله تعالى خَلَقها بشكل تأتلفُ فيه بسرعة وتبقى على هذا الحال الى الابد، بينما نجد أنَّ بعضَ الحيوانات التي تماثلها في الذكاء والعقل (كالذئاب والنّمور) اذا ما ألفت فيه مشقة وتكون مؤقتة، ومع ذلك يجب الحذر منها، واحياناً تفترسُ اصحابها
ــــــــــــــــــــــــــــ.
[١] يس الآية: ٧٢.
[٢] الزخرف الآية: ١٣.
[٣] "توحيد المفضل" ( بحار الانوار ج ٣ ص ٩١ ).