نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٣
السَّمـاءِ والأرْضِ)، السحبُ التي تحتوي البحار في ذاتها، وهي في ذات الوقت معلقة بين الارض والسماء، فهي في الواقع من اعظم آيات الله، "فعندما تُحيي الارضَ بنزول المطر فهي تبّثُ انواعاً مختلفةً من الدّواب على وجه الارض" (فأَحْيـا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيْهـا مِنْ كُلِّ دابَّة).وعندما نشاهد انَّ الرياح والغيوم قد طُرحت في هذه الآية بعد نزول الامطار فلعلّها من اجل تعليم هذا الامر، وهو انَّ فائدة الرياح لا تنحصر بتحريك الغيوم وانزال المطر فحسب، بل لها فوائد جمّة اخرى تمّت الاشارة اليها سابقاً، وسيشار اليها في الفذلكة ايضاً.ناهيك عن نزول الامطار، فانّ الغيوم لوحدها تعتبر مسألة عجيبة ايضاً، لأنها تحتفظ ببحار من المياه وهي معلقةً بين الارض والسماء(١).* * *
وتستَند الآية السادسة الى مسألة مياه شرب الانسان، وتذكر موضوعاً جديداً حيث تقول: (أفَرَأَيْتُم المـاءَ الَّذي تَشْرَبُون ـ أَأَنْتُم أنزَلتُمُوه مِنْ المُزْنِ أمْ نَحنُ المُنْزِلُون)؟ ثم يضيف تعالى: (لَوْ نَشـاءُ جَعَلْنـاهُ أُجـاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُوْن) فلو أنَّ ماء البحر يصطحبُ اثناء تبخره الى السماء حبوب الاملاح الصغيرة، وتنزلُ المياه المالحة والمرَّة من الغيوم لتحولّت الارضُ الى مملحة، فلا ينمو نباتٌ، او شجر، واذا اراد الانسان ان يدفع الموت عنه اثر العطش لم يستطع ان يتجرع منه أبداً.هذا الامر الموجَّه الى المياه بالتّبخر، والاملاح الموجودة في مياه البحر بالبقاء في مكانها، قد اضفى طابعاً آخر على حياة الانسان، بل كل الاحياء على سطح المعمورة، فهل يستطيع شخصٌ ان يؤدي شُكرَ هذه النعمة مدى حياته؟!وكما قلنا فان (المُزْن) تعني الغيوم الممطرة و (الأجاج) تعني الماء
* * *
وفي الآية الثامنة يتحدث عن مسألة الرياح ونزول الامطار بتعبير جديد، فيقول: (وأرْسَلْنـا الرِّيـاحَ لَواقِحَ).فهل انَّ المقصود هو تلقيح النباتات بواسطة الرياح ونثر لقاح ذكور النباتات على الاناث، وحملُ الفواكه والحبوب الذي يحدث عن طريق الرياح؟ أو حَمْل قطع الغيوم والحاق بعضها ببعض.نظراً لقوله في تكملة الآية: (فَأنْزَلنـا مِنَ السَّماءِ مـاءً فَأسْقَيْنـاكُمُوْه)، فيظهر انَّ المعنى الثاني اكثر تناسباً، بالرغم من امكانية الاستفادة من المعنيين معاً.على أية حال، فانَّ التعبير اعلاه تعبيرٌ لطيفٌ جداً حيث شَبَّه قِطعَ الغيوم بالامهات والآباء، حيث يخلطها عن طريق الرياح ثم تحملُ، وتضعُ جنينها أي قطرات الامطار على الارض!ويشيرُ في ختام الآية الى خزانات المياه المغطّاة تحت الارض، والتي هي من