نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨
"الجهاد"(١)، لكن مما لا شك فيه أن الحياة مفهوم واسع يشمل كل هذه العناوين المذكورة وكل ما هو مؤثر في حياة الأنسان المعنوية والمادية.
وعلى كل حال، إذا دعانا شخص بمثل هذه الدعوة فهل يمكن أن نغض الطرف عن دعوته ولا نرى من واجبنا حتى التحقيق في الأمر؟.
هنا يريد القرآن بهذا التعبير أن يُوجد حافز الحركة نحو التحقيق حول الدين في كل من له القابلية على هذه الحركة.
يقول الراغب في كتاب "المفردات": إن حقيقة "الاستجابة" هي السعي والقابلية على إستلام الجواب، ولأن هذا الموضوع ينتهي عادةً بالجواب فقد فسروه بمعنى "الاَجابة"(٢).
* * *
الآية الثانية تعدُّ بعثة الرسول من أكبر النعم الألهية التي منحت للمؤمنين، ثم تذكر في تفسير هذه النعمة ثلاثة برامج مهمة للرسول: تلاوة الآيات الاَلهية (يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيـاتِهِ)، والتزكية والتربية (وَيَزَكِّيِهمْ)، وتعليم الكتاب والحكمة (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتـابِ والْحِكْمَةَ).
ونتيجة كل هذه هي النجاة من "الضلال المبين" (وَإنْ كـانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِيْ ضَلال مُبَيْن).
إن كل هذه التعابير هي من أجل إحياء محفزات الحركة نحو الأسلام في الناس، ومن أجل أن يرى كل أنسان نفسه ملزماً بالتحقيق حول الاسلام على الأقل. لأنه من الممكن أن يكون اكبر نفع وضرر للأنسان كامناً فيه.
(المِنّة) من مادة "مَن" وهي في الأصل كما يعتقد البعض بمعنى القطع،
لهذا فإن (أجرٌ غير ممنون) بمعنى ألثواب الذي لا ينقطع أبداً. وكذلك يقال للقطرات الصغيرةِ المستقرة على الاشجار كقطرات الندى والتي تتصف بطعم حلو (نوع من أصماغ وترشحات الأشجار ذات طعم حلو) يقال لها "من".
ولكن يعتقد الراغب أن "المن" في الأصل بمعنى الحجر الذي يَزِنون به، والذي أطلق فيما بعد على النعم الكبيرة الثقيلة.
وحين تستخدم هذه المفردة عن الله تعني "منح النعم" وحين تستخدم عن البشر تعني غالباً التحدث بالنعمة التي يجزلها الانسان لغيره، من هنا كان معناها الأول إيجابياً والثاني سلبياً ومذموماً.
* * *
الآية الثالثة تشير إلى هدف مهم آخر من أهداف بعثة الأنبياء، أي مسألة "العدالة الأِجتماعية"، فتقول: إننا جهزنا الرسل بثلاثة أشياء: اولا: البراهين الواضحة التي تشمل "المعجزات"، و "البراهين العقلية" (لَقَدْ أرْسَلْنَا رُسُلَنـا بِالْبَيِّنـاتِ).
ثانياً: الكتاب السماوي الذي يشرح معارف ووظائف كل الناس.
وثالثاً: الميزان الذي يمكن بواسطته قياس الحق والباطل (القوانين الالهية وتبيان القيم واللاقيم التي تكون معياراً في قياس الخيرات والشرور) (وَأَنْزَلْنـا مَعَهُمُ الْكِتـابَ وَالميزان).
(الميزان) في الأصل هو الوسيلة التي توزن بها الأشياء، والعجيب أن بعض المفسرين فسر "الميزان" في الآية أعلاه بهذا المعنى في حين رفض اكثر أَلمفسرين هذا الرأي وقال: إِنَّ المراد من الميزان هو الوسيلة التي يحدد بها الاِنسان العدالة، الزيادة والنقص والحق والباطل. وكما قلنا يمكن تفسيره بـ "القوانين الأِلهية" و "القيم واللاقيم".
صحيح أن هذه الأمور مذكورة في نص الكتب السماوية، ولكن ذكرها بشكل مستقل جاء بسبب أهميتها.