نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١
يروي المؤرخ الغربي المعروف "وِل ديورانت" في تاريخه ضمن بحث بعنوان منابع الدين عن الحكيم الروماني "لوكروتيوس" بأن "الخوف هو الأم الأولى للآلهة، والخوف من الموت ذو مكانة أهم بين بقيّة انواع الخوف... ولهذا لم يكن باستطاعة الانسان البدائي أن يصدق بأن الموت ظاهرة طبيعية ولذا كان يتصور له سبباً ما ورائياً على الدوام"[١].
ويكرّر "راسل" نفس هذا الكلام بصياغة أخرى في قوله:
"أتصور أن مصدر الدين هو الخوف والرهبة قبل كل شيء، الخوف من الكوارث الطبيعية، الخوف من الحروب وما شاكل، والخوف من الأعمال غير اللائقة التي يرتكبها الاِنسان أثناء غلبة الشهوات عليه"(٢).
ويتضح بطلان هذه الفرضية من حيث أن أتباعها كأنهم قد تعاهدوا جميعهم بشكل ضمني على الاِتفاق بأنه ليس ثمة جذور ما ورائية للدين والاعتقاد بعبادة الله، ولا بد من البحث عن سبب له في الطبيعة، سبب يعود إلى نوع من الظن والخيال، ولهذا فهم دائماً يرون الأمور الفرعية وينسون المسألة الأصلية.
صحيح أن الاِيمان بالله يمنح الاِنسان طمأنينة و إقتداراً روحياً، وصحيح أنه يمده بالشجاعة قبال الموت والحوادث العصيبة، إلى درجة أنه في بعض الأحيان يكون مستعداً لكل الوان التضحية والفداء. لكن لماذا ننسى ما هو أمام أعين البشر
دائماً أي النظام الذي يحكم الأرض والسماء والنباتات والأحياء ووجود الانسان ذاته؟!.
وبعبارة أخرى فإن الاِنسان مهما كان بارعاً بعلم التشريح والفسلجة وما شابه، لكنّهُ حينما ينظر إلى بناء عينه وأذنه وقلبه ويده ورجله يراه بناءً عجيباً ودقيقاً، وهذا لا يمكن تفسيره أبداً بالوقائع والأسباب العمياء. ظهور غصن من الزهور، أو نحلة، ظهور الشمس والقمر وسيرهما المنتظم وبقية الظواهر.
هذا هو الشيء الذي كان موجوداً ولا يزال دائماً أمام أعين الاِنسان وهو السبب الأصلي في ظهور الاِيمان بوجود الله، لماذا يتجاهلون هذه الحقيقة البينة ويتشبثون بمسألة الخوف والجهل؟ أفليس لأنهم خائفون من نمو العقائد الدينية؟ وإِلاّ لماذا يتركون الطريق الأصلي النيّر ويسلكون الطريق المنحرف؟ سوى أن الأحكام المسبقة تحول أمامهم؟!.
.
٣ ـ فرضية العوامل الاقتصادية:
وعلى كل حال، فبالنظر للتاريخ المعاصر والقديم لا سيما الخاص بالاِسلام، يتضح جيداً أن الدين وخلافاً لزعمهم ليس مادة مخدرة وأفيوناً أبداً، فضلا عن أنه السبب في ظهور أقوى الحركات الأِجتماعية واكثرها مثاراً للاِعجاب، والقضايا الاقتصادية تشكل بدورها جزءً من حياة الانسان، وحصر الاِنسان في الزاوية الأِقتصادية يعتبر أكبر خطأ في معرفة الأِنسان ومعرفة نوازعه وميوله المتعالية.
.
٤ ـ الفرضية الجنسية:
إنهم يحترمون "التوتم" ويتصورون أن عليهم أن يتشبهوا به (هذا الاِعتقاد بالتوتم نابع من نفس الاِعتقاد بالقبيلة الوهمية ايضاً).
يعتقد فرويد أن الأِيمان بالكبت والتوتم هو السبب لظهور العقائد الدينية، ووفقاً لما ذكرنا اعلاه فأن له علاقة بالقضية الجنسية!.
.[١]
وفضلا عن أن فرضية فرويد الجنسية قائمة على أساس اسطورة (اسطورة القبيلة الوهمية). فان تحليلاته تشبه الى حد كبير الأساطير والخرافة، وهذا ناتج من أنه يرى روح وجسم الاِنسان ذا الأبعاد والميول المتنوعة من زاوية واحدة وببعد واحد.
صحيح أن للاِنسان غريزة جنسية، لكن من المسلم به أن وجود الانسان لا يختصر كله في الغريزة الجنسية، فجسمه يقع تحت تأثير غرائز مختلفة، ولروحه ميول متعالية مختلفة، "فَالنظر من بعد واحد" بلاء لم يقع فيه فرويد فحسب بل إن الاشتراكيين الذين يختصرون وجود الانسان في البعد الاِقتصادي قد وقعوا فيه بشكل آخر.
كان الاجدر بفروى وبدل الاعتماد على الأوهام أن ينظر ألى هذه الحقيقة وهي أن الاِنسان منذ فجر حياته وحتى اليوم أبصر نظاماً حاكماً على العالم المترامي وعلى وجوده هو لا يمكن تفسيره بالعلل الطبيعية غير العاقلة وغير العالمة. وكان هذا هو المنطلق في ظهور الاعتقاد بالله، فَلماذا يرفضون نهجاً بهذا الوضوح ويسلكون الضلال؟!.
.
٥ ـ فرضية الحاجات الأخلاقية:
ــــــــــــــــــــــــــــ.
[١] الاِقتباس من "فرويد والفرويدية".