نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٠
ـولا سيما المتخلّفين في الحجازـ معرفة بعظمة السماوات، ولعلهم كانوا يظنّون انَّ السماء سقفٌ رماديّ اللون قريبٌ منهم، ضُربت عليه مسامير النجوم الفضّية !أجَلْ.. اننا اليوم ندرك جيداً المفهوم العميق لهذه الآية، لأنَّ العلماء تفحّصوا هذه السماء الواسعة من خلال المراصد الفلكية العملاقة، وأَهْدَوا الينا عجائب مذهلة عن عظمتها والنظام السائد فيها، ومن اين ندري ان ما يشاهدونه اليوم لا يبلغ معشار عظمة هذا العالم، ولعل هذه الحقيقة تتضح غداً للملأ، لهذا يقول تعالى في آخر الآية: (وَلكِنَّ اكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُوْنَ)[١].وفي الآية التاسعة تمَّ جمع دورة كاملة من دروس التوحيد ومعرفة الله فى استفهام إنكاريٍّ حيث يقول: (أفي اللهِ شَكٌ فاطِر السَّمـواتِ وَالأرْضِ).والجدير بالاهتمام هنا ان كلمة (فاطر) تعني المشَقِق، وجاء استخدام هذا التعبير اما بسبب تمزيق حجاب العدم والظلمة اثناء خلق السماوات والارض واشراق نور الوجود في خلق السماوات والارض، او اشارةٌ الى ما يُعرفُ اليوم لدى علماء الفلك حيث ان جميع هذه الكُرات والمنظومات كانت في اليوم الاول على هيئة مجموعة كبيرة تترابط معاً، وانفصلت عن المركز نتيجة لحركتها حول نفسها والقوة الطاردة، والقت بقطع منها الى الخارج وظهرت المنظومات والمجرّات الثابتة والسّيارة[٢].على أيّة حال، سواء كان المشركون هم المخاطَبون في هذه الآية أو منكروا وجود الله تعالى، او كلاهما. ويُستفاد من هذه الآية الكريمة هذه الحقيقة، وهي انَّ
* * *
ويشير في الآية العاشرة الى خاصّية اخرى من خصائص السماء والارض اذ يقول تعالى: (والسَّمـاءَ بَنَيْناهـا بِأَيْد).فمن المسلَّم بهِ انَّ خلقَ مثل هذه العوالم الجبّارة يستلزم قدرةً مناسبةً له، وهي قدرة الباري عزوجّل وحدها.ويضيف فيما بعد (وإنّا لَمُوْسِعُوْنَ).وبالرغم من إنَّ بعض المفسّرين اعتبروا ذلك بمعنى توسعةِ الرزق عن طريق هطول المطر وغيره
[١] تنفصل عن بعضها بسرعة.يقول احد العلماء المعروفين ويُدعى (جورج غاموق) في كتابه (بداية ونهاية العالم): "يمُّر فضاءُ الكون الذي يتألف من مليارات المجرّات بحالة من الامتداد السريع، والحقيقة هي انَّ عالَمَنا ليس ثابتاً بل انَّ إتساعَهُ مسلَّمٌ به، والوقوف على كون عالمنا يمرُّ بحالة من الاتساعِ يهيء لنا المفتاح الحقيقي لكنوز اسرار النظرية الكونية، فلو ان العالَمَ يمُّر اليومَ بحالة من الاتساع والامتداد فهذا يعني انّه كان يمرُ بحالة من الانكماش الشديد في عابر الازمان"
[٢].ومما يبعث على الدهشةِ إنَّ هذا التوسعَ يسيرُ سريعاً بالقَدرِ الذي يقول عنه (فورد هوفل) فيكتاب (حدود النجوم): (لقد تم قياس اقصى سرعة لتباعد الكرات حتى الآن بما يقارب٦٦ ألف كيلو متر في الثانية، وتُدَللُ الصور الملتقطة عن السماء على هذا الاكتشاف المهم بوضوح، حيث انَّ الفاصلة بين المجرّات النائية تتضاعف بسرعة اكثر من المجرّات القريبة)
[٣]!
* * *
ونقرأ في الآية الحادية عشرة تعبيراً جديداً حول خلق السماء إذ يقول: (وَجَعَلْنا السَّمـاءَ سَقْفاً مَحْفُوْظاً).فهل هناك سماءٌ في العالم على هيئة سقفٌ يُحفظُ من تغلغل الكائناتَ الخارجية؟ نعم.. فالسماء هنا يمكن ان تكون اشارة الى الفضاء الذي يحيط بالارض ويبلغُ سمكُهُ مئات الكيلو مترات، فهذه الطبقة التي تتألف من الهواء المضغوط اللطيف وبقية الغازات المحيطة بجوانب الكرة الارضية على هيئة سقف دائري، قويةٌ بالقدر الذي يصفها بعض العلماء بانَّ لها مقاومةً بقدر سقف فولاذيٍّ بسُمكِ عشرة امتار، وهي لا تمنع نفوذ الاشعاعات المدمرة فحسب، بل تمنع سقوط الصخور الفضائية التي تنجذب نحو الارض بأستمرار، لأصطدامها بهذه الطبقة الجوية بسرعتها الخارقة، فتكون مانعاً لحركة تلك الصخور، كما ويؤدي هذا الاصطدام الى احتراق تلك الصخور وانصهارها.فلو لم تكن هذه الطبقة الجوّية العظيمة واصبح اهلُ الارض عُرضةً للملايين من قذائف الصخور الفضائية الصغيرة والكبيرة ليلَ نهار، فماذا سيحصلَ؟ وهل يكون هناك وجودٌ للاستقرار فى "مهد الارض"؟ وهل سيكون اسمُ المهد والمرقدِ لائقاً بها؟.لا ضير ان تقرأ هذا الكلام الوارد على لسان عالم معروف يُدعى (فرانك آلن)