نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٤
قليلا، وكلما ارتفعت الشمس من وراء الافق يزداد هذا الضياء، وعلى العكس اثناء الغروب، فلا يحلُّ اللَّيلُ دفعةً واحدةً، بل تختفي اشعةُ الشمس رويداً رويداً في الطبقات السفلى من الجو، ويحلُّ الظلامُ محلَّها، فهذا الانتقال التدريجي من النور الى الظلام وبالعكس يؤدي الى أنْ يتأقلمَ الانسانُ معه من الناحية الجسمية والروحية، ولو حلَّ اللّيلُ أو الّنهار بشكل مفاجيء لتركَ آثاراً سيئةً.والجدير بالذكر انَّ ظاهرَ الآية هو انَّ دخولَ اللّيل في الّنهار والنهار في الليل يحدث في آن واحد، والواقع هو كذلك، لأنَّ اللَّيلَ يقلُّ تدريجياً اثناء فصل الصيف في المناطق الواقعة شمال خط الاستواء ويصبح جزءً من النهار أي إنّه مصداقٌ لـ (يُوْلِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ)، وفي ذات الوقت يقلُّ النّهار في جنوب خط الاستواء ويصبح جزءً من اللَّيل حيث يكون مصداقاً لـ (يُوْلِجُ النَّهارِ في اللّيْل)(١)!.وجاء في الحديث المشهور عن المفضل، انَّ الامام الصادق((عليه السلام)) قال:فكّر في دخول احدهما ـالليل والنهارـ على الآخر بهذا التدريج والترسّل، فانك ترى احدهما ينقص شيئاً بعد شيء، والآخر يزيد مثل ذلك حتى ينتهي كل واحد منهما منتهاه في الزيادة والنقصان، ولو كان دخول احديهما على الاُخرى مفاجأة، لأضّر ذلك بالابدان وأسقمها، كما أن احدكم لو خرج من حمّام حار الى موضع البرودة لضّره ذلك واسقم بدنه، فلمّ يجعل الله عزوجل هذا الترسل في الحر والبرد الاّ للسلامة من ضرر المفاجأة؟(٢).* * *
التوضيحات:
لاحظنا في الآيات الآنفة كيف انَّ الله تبارك وتعالى يدعو الناس الى التفحصِ
في هاتين الظاهرتين اللتين تبدوان عاديتين للعيان، ويعُّدهما من آياته، والحقيقة اننا كلَّما امعّنا النظر في هذا المجال نتوصل الى امور جديدة:أ ـ فنحنُ نعلمُ انَّ اللَّيل والّنهار في جميع انحاء العالم يختلفان تماماً، فطول الليلِ عند خط الاستواء (١٢) ساعة، وطول الّنهار (١٢) ساعة ايضاً في كافة الفصول، إلاّ إنَّ السَّنةَ كلَّها في المنطقة الجنوبية وعلى خط ٩٠ْ ليست اكثر من يوم واحد وليلة واحدة حيث تكون مدة كلٍّ منهما ستة اشهر تقريباً "ومثل هذه المناطق غير مأهولة طبعاً"، وهنالك مراحل وسط بين هذين الوضعين في باقي بقاع العالم.إلاّ إنَّ مايثير العجب هو بالرغم من هذا الاختلاف فانَّ جميع بقاع الارض تستفيد من اشعة الشمس بنفس النسبة على مدار السنة وهذا نظامٌ عادلٌ للغاية!.ب ـ انَّ الّنهار اكثرُ طولا اثناء الصيف والليل اكثرُ طولا في الشتاء، أي انَّ هذين الامرين يسيران بشكل متزامن، زيادة طول الّنهار، والاشعاع العمودي "أو المنحرف عمودياً" للشمس، فيكمل احدُهما أثر الآخر، ويؤديان الى زيادة حرارة الجو فتثمرُ الفواكه والمحاصيل الزراعية، وفي الشتاء يؤدي الى زيادة البرودة وخمول الاشجار والنباتات، واللطيف انه في المناطق الاستوائية حيث يشع ضوء الشمس عمودياً لا يطول الّنهار ابداً، وإلاّ لداهمها خطر السّخونة واحترقت النباتات.ج ـ إن ضوء الشمس يسبب اليقظةَ والحَذَرَ والغليان والحركة باستمرار، على العكس من اللّيل الذي يبعث على السكون والاستقرار والنوم، ويُلاحَظُ هذا الأمر على وجه الخصوص في عالم الحيوانات، حيث تستيقظ الطيور مع بزوغ الصبح وتتجه نحو الصحراء، وتعود وتستريح في اوكارها مع افول الشمس، وفي الارياف حيث ان لمعظم الناس حياةً طبيعية، ويكون برنامج حياتهم كذلك ايضاً، ولكن نظراً لتطور الآلة، وصناعة النور الاصطناعي، فانَّ الكثير من الاشخاص يسهرون جزءً من اللَّيل وينامون بعض النهار، وهذا أحدُ الاسباب لبعض انواع الامراض، وفي الحقيقة ان القرآن يُحذِّرُ مثل هؤلاء الافراد بانَّ ترك النوم ليلا يؤدي الى فقدان الاطمئنان