نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥
في البداية نستمع خاشعين للآيات أدناه:
١ ـ( وَمِنْ آيـاتِهِ أنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُراب ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ)[١].
٢ ـ( إنّا خَلَقْنـا الأنْسانَ مِنْ نُطْفَةِ أمْشـاج نَبْتَلِيْهُ فَجَعَلْنـاهُ سَمِيْعاً بَصيراً)[٢].
٣ ـ( ولَقَدْ خَلَقنْـا الأنْسـانَ مِنْ سُلالَة مِنْ طِيْن ثُمَّ جَعَلْنـاهُ نُطْفَةً في قَرار مَكِيْن)[٣].
٤ ـ( ذلِكَ عـالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهـادَةِ الْعَزيْزُ الرَّحْيمُ ـ الَّذي أحَسَنَ كُلَّ شَيء خَلَقَهُ وَبَدأ خَلْقَ الاِنْسـانِ مِنْ طِيْن ـ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَة مِنْ مـاء مُهين ـ ثُمَّ سَوّاهُ وَنَفَخَ فِيْهِ مِنْ رُوْحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصـار وَالأفْئدَة قَلْيلا مـا تَشْكُرُونَ)(٤).
٥ ـ( وَفي خَلقِكُمْ وَمـا يَبُثُّ مِنْ دابَّة آيـاتٌ لِقَوم يُوقِنُوْنَ)(٥)(٦)
* * *
.
شرح المفردات:
(بَشَرْ) من أصل "بَشَرَة" بمعنى ظاهر جلد الانسان، ولكن يستفاد من "مقاييس اللغة" أن أصلها هو ظهور شيء ذي حسن وجمال، لذا فإن حالة "البُشر" (على وزن اليُسر) بمعنى الفرح والانبساط، وإنطلاقاً من أن هذه الحالة خاصة بالانسان، كانت مفردة "البشر" اسماً للنوع الانساني
[١]. وهذه المفردة تطلق على الرجل والمرأة والمفرد والمثنى والجمع
[٢].
(سُلالة) (على وزن عُصارة) بمعنى الشيء المأخوذ من شيء آخر، فيكون خلاصته وعصارته، وهي في الأصل من "سَلَّ" (على وزن حَلَّ) بمعنى سحب وجرَّ برفق وتستخدم لسحب السيف من القراب أيضاً ثم اطلقت على عصارة وخلاصة الأشياء.
[٣] وحينما نقرأ في الآيات أعلاه أن الله خلق الانسان من سلالة من طين، فمعنى ذلك من العصارة المصطفاة من الطين. وقال البعض: ان المراد من هذا هو أن آدم مخلوق من عصارة كل الأتربة الموجودة على الأرض (ولهذا فقد إستخلص آثار الجميع في وجوده) وإطلاق "السليل" على "الابن" من باب أنه ناتج من عصارة وجود الأب والأم.
(النطفة) في الأصل بمعنى "الماء الصافي"، وإعتبرها بعض أهل اللغة بمعنى "الماء القليل". وبما ان الماء الذي يمثل المبدأ في ظهور الانسان قليل ومصطفىً وعصارة من كل الجسم فقد أُطلقت هذه المفردة عليه. ويقال للسوائل الجارية "ناطف" أيضاً.
(أمشاج) جمع "مَشْج" (على وزن نشج) بمعنى الشيء المخلوط، والبعض إعتبرها جمعاً لـ "مشيج"، ولأن ماء الرجل والمرأة يختلطان عند إنعقاد نطفة الانسان فقد أطلقت هذه المفردة عليه.
جاء في "لسان العرب" أن هذه المادة في الأصل بمعنى اللونين المختلفين
الذين يمتزجان مع بعضهما (ثم أطلقت على الأشياء المختلفة التي تختلط مع بعضها).
خلق الانسان من (نطفة أمشاج)، يمكن أن تكون إشارة إلى المواد المختلفة التي تشكل النطفة، أو القابليات المتنوعة التي تجتمع في النطفة عن طريق عامل الوراثة وغيره من العوامل، أو أنه إشارة إلى كل هذه الامتزاجات.
* * *
.
جمع الآيات وتفسيرها:
للقرآن الكريم عبارات متنوعة حول بداية ظهور الانسان، يقول في اول آية بهذا الخصوص:
( وَمِنْ آيـاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُراب).
ويقول في الآية الرابعة:(وَبَدَأَ خَلْقُ الاِنْسانِ مِنْ طِيْن).
ويقول في الآية الثالثة: ( وَلَقَدْ خَلَقْنـا الاِنْسـانَ مِنْ سَلالَة مِنْ طِيْن).
ويقول في الآية ١١ من سورة الصافات: (إنّا خَلَقْنـاهُمْ مِنْ طِيْن لازِب).
ويقول في الآية ٢٦ من سورة الحجر: (وَلَقَدْ خَلَقْنـا الاِنْسانَ مِنْ صِلْصـال مِنْ حِمَاً مَسْنُون).
وجاء في الآية ١٤ من سورة الرحمن: ( خَلَقَ الاِنْسـانَ مِنْ صِلْصـال كَالْفَخّارِ).
(الصَلْصَال) في الأصل بمعنى لوي الصوت في الجسم اليابس، ولهذا سمىَّ الطين اليابس الذي يصدر صوتاً عند إرتطام جسم آخر به بالصلصال، وحين يُفخر على النار يقال له "الفخار".
(الفخار) مأخوذ من مادة "فخر" أي الفخور كثيراً، ولأن الاشخاص الفخورين أناس كثيروا الضجيج والكلام وفارغون، فقد أُطلق هذا الاسم على الكوز