نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣
١ ـ جاء في حديث عن أمير المؤمنين علي((عليه السلام)): "لو لم يتوعد الله على معصيته لكان يجب الاّ يُعصى شكراً لنعمته" [٢]
إن التعبير بـ "الواجب" في هذا الحديث هو في الحقيقة نفس تلك الوظيفة التي تنبع من عواطف الأِنسان.
٢ ـ نقرأ في حديث آخر عن الاِمام الباقر((عليه السلام)) أنه قال: "كان النبي ذات ليلة عند عائشة فسألته: لماذا ترهق نفسك كل هذا الاِرهاق بالعبادة في حين قد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟".[٣]
فقال ((صلى الله عليه وآله وسلم)): "ألا أكون عبداً شكوراً؟".[٤]
٣ ـ يقول الامام الرابع علي بن الحسين((عليهما السلام)) في أحد أدعية الصحيفة
السجادية: "الحمد لله الذي لو حبس عن عباده معرفةَ حمده على ما أبلاهم من مننهِ المتتابعة واسبغ عليهم من نعمه المتظاهرة لتصرّفوا في مننه فلم يحمدوه وتوسعوا في رزقِه فلم يشكروه ولو كانوا كذلك لخرجوا من حدود الأِنسانية إلى حد البهيميّة فكانوا كما وصف في محكم كتابه إن هم إلاّ كالأنعام بل هم أضل سبيلا".[١]
٤ ـ جاء في كلام آخر من نهج البلاغة: "...ولو فكروا في عظيم القدرة وجسيم النعمة لرجعوا إلى الطريق وخافوا عذاب الحريق ولكن القلوب عليلة والبصائر مدخولة" [٢]
تتضح من هذه الروايات العلاقة الروحية بين "شكر النعمة" و "معرفة الله وإطاعة أوامره".
.
تمهيد:
وردت جملة (ألاّ تَعبُدُوا إلاّ اللهُ) أو (ألاّ تَعْبُدُوا إلاّ إيـاهُ) في كلام الكثير من الأنبياء في القرآن الكريم، وهي عبارات تفيد نفي الأصنام وليس اثبات وجود الله كما جاء في دعوة رسول الأسلام((صلى الله عليه وآله وسلم))،
[١] ودعوة النبي نوح،
[٢] ودعوة يوسف،
[٣] ودعوة هود
[٤].
وَفضلا عن هذا فَإننا نمتلك في داخل أرواحنا أحاسيس فطرية أصيلة أخرى منها ما نراه في نفوسنا في الاِنجذاب الشديد إتجاه العلم والمعرفة والأِطلاع.
فَهل من الممكن أن نشاهد هذا النظام العجيب في هذا العالم المترامي، ولا تكون لنا رغبة في معرفة مصدر هذا النظام؟
وَهل من الممكن أن يُجِدّ عالِم لمدة عشرين سنة من أجل التعرف على حياة النمل، ويثابر عالِم آخر عشرات السنين لمعرفة بعض الطيور أو الأشجار أو أسماك البحار بدون أن يكون في داخله حافز حب العلم؟ هل يمكن أنهم لا يريدون معرفة مصدر هذا البحر اللامتناهي الذي يشمل الأشياء من الأَزلِ إلى الأبد؟!
نعم، هذه حوافز تدعونا إلى "معرفة الله"، العقل يدعونا إلى هذا الطريق، العواطف تجذبنا نحو هذا الاِتجاه، والفطرة تدفعنا إلى هذه الجهة.
كانت هذه خلاصة للمحفزات الواقعية والحقيقية لظهور الدين ومعرفة الله.
* * *
.
توضيحات:
هنالك إصرار عجيب من قبل بعض علماء الاِجتماع والنفس الماديين في الغرب والشرق على أن مصدر ظهور الدين والعقيدة التوحيدية معلول للجهل أو
الخوف أو عوامل اُخرى من هذا القبيل.
بالطبع إِنّ هذا الأمر ليس عجيباً حسب رأي معين، لأنهم يبدون وكأنهم قد إتخذوا قرارهم باِتفاق مسبق، ويعتبرون من المسلمات أن ليس ثمة شيء غير عالم المادة، لهذا يرون أنفسهم ملزمين أن يفسروا كل ظاهرة بمعونة هذه العوامل المادية.
من ناحية أخرى نعلم أن وجود العقائد الدينية ما تنفك تزلزل أركان المادية. وإذا أضفنا إلى هذا المعنى الصراعات القبيحة بين الكنيسة وعلماء العلوم الطبيعية في القرون الوسطى، يمكن الاِستنتاج أن مثل هذه التفاسير المادية للدين والاعتقاد بالله بأنها جزء من نضال المدارس المادية ضد الدين.
مع أنّ البحث في كل هذه النظريات بشكل مفصل يحتاج إلى أحاديث طويلة يُخرجنا الدخول فيها عن نوعية بحثنا التفسيري. ولكن يبدو من الضروري الاشارة إليها هنا بشكل مختصر. لكننا نكرر أن كل هذه التفاسير قائمة على أساس أحكام مسبقة وَهي أن نسلّم بعدم وجود عالم وراء الطبيعة، وبأن عالم الوجود يتلخص في نفس عالم الطبيعة هذا.
وَيمكن تحديد هذه النظريات ـ أو بعبارة أدق هذه الفرضيات ـ بشكل عام في خمس فرضيات:
.
١ ـ فرضية الجهل:
ــــــــــــــــــــــــــــ.
[١] جامعه شناسى ساموئيل كنيك، ص ٢٠٧ ( علم الاجتماع عند صاموئيل كنيك).