نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٦
(الحياة) يقول الراغب في المفردات: تستخدم الحياة في معان مختلفة: الحياة النباتية، الحياة الحسية (حياة الحيوانات)، الحياة العقلانية (حياة البشر)، الحياة بمعنى زوال الغم والهم والحزن، الحياة الأخروية الخالدة، والحياة المذكورة كونها إحدى الصفات الأِلهية، ويأتي لكل واحدة منها بشاهد من الآيات القرآنية.ولكن في "مقاييس اللغة" يُذكر لهذه المفردة معنيان أساسيان، أحدهما الحياة مقابل الموت، والآخر "الحياء" وهو ما يقابل الوقاحة والصلافة.غير أن البعض يعتقد برجوع المعنيين إلى أصل واحد، لأن الذي يتمتع بالحياة والخجل إنما يصد نفسه عن الضعف والعجز ويتحرك بأِتجاه الخير والطهارة. وإن كان الثعبان العظيم يسمى بـ "الحية" فذلك لشدة تحركها التي تعتبر من أبرز آثار الحياة والعيش. وتسمى القبيلة بـ "الحي" بلحاظ إمتلاكها حياةً إجتماعيةً وجماعيةً.[١]وبالطبع فإن لهذه المفردة معانيَ كنائية كثيرة من جملتها "الاِيمان" في مقابل الكفر، و "الطراوة" في مقابل الذبول، و "الحركة" في قبال السكون. ويطلق على التحية أسم "التحية" من باب أن فيها طلب للسلامة والحياة."الموت" هو بالضبط النقطة المقابلة للحياة، لهذا كانت له انواع مختلفة يقابل كل منها نوعاً من انواع الحياة، منها "الموت النباتي" كما في قول القرآن حول المطر (أحْيَيْنـا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً)(٢). و "الموت الحيواني" و "الموت العقلاني" أي الجهل، و "الموت" بمعنى الغم والحزن كما يقول القرآن : (وَيَأتِيْهِ الْمَوْتَ مِنْ كُلِّ مَكان وَمـا هُوَ بِمَيِّت)(٣) والموت بمعنى النوم، كما قالوا : "النوم موت خفيف" مثلما أن
* * *
.
جمع الآيات وتفسيرها:خَلقُ الحياة آية الخلق:
من الرقة واللطافة بحيث لايوصف. أما كيف يمكن لذلك البرعم اللطيف أن يفلق تلك القلعة والحصن الحصين فيخرج من خلال جدرانه ويستمر في طريقه ؟ فليس ذلك سوى القدرة الألهية الفريدة وكأنَّ عبارة (إنَّ اللهَ فـالِقُ الْحَبِّ والنَّوى)إشارة دقيقة إلى هذا المعنى.وحول كيفية إخراج الله تعالى الميِّت من الحيِّ والحيِّ من الميتِ، ذكر الكثير من المفسرين الماضين الأمثلة عليها، بخروج الدجاجة من البيضة، والشجر والنبات من الحبة والنواة، والانسان من النطفة. في حين صار من المسلّم به لدى العلماء اليوم أن الكائنات الحية تظهر دائماً من الكائنات الحية. أي أن في داخل حبة ونواة النباتات والأشجار فضلا عن الكمية المعينة من المواد الغذائية، توجد خلية حية هي في الحقيقة نبات وشجرة مجهرية صغيرة جداً وإذا إستقرت في المحيط المناسب ستفيد من هذه المواد الغذائية فتنمو وتكبر، وكذلك في نطفة الأنسان والحيوان فإن الخلايا الحية كثيرة، وهي المصدر لظهور الأنسان والحيوان.أجاب بعض المفسرين المعاصرين (كالمراغي ومؤلف المنار) الذين إلتفتوا إلى هذا الأشكال بأن هذه الخلايا الخاصة مع انها تسمى في عرف علماء العلوم الطبيعية بالكائنات الحية، ولكنها لا تجدر بهذه التسمية في العرف العام للناس واللغة، لأن أياً من آثار الحياة والعيش لا تظهر عليها
[١].والأفضل أن نقول: ان المراد بخروج الكائن الحي من الميت هو أحد معنيين:الأول ، هو بالرغم من أن الكائنات الحية في الظروف الحالية تخرج دائماً من البذور والحبوب والنطف الحية، ولكن لا شك أن الأمر لم يكن كذلك في البداية، لأن الكرة الأرضية عندما إنفصلت عن الشمس كانت عبارة عن نار بتمامها، ولم يكن ثمة كائن حي عليها يقيناً، ثم ظهرت اول الكائنات الحية من الكائنات غير الحية ضمن ظروف لا علم لنا بها اليوم وبأمر الله بعد سلسة من القوانين البالغة في التعقيد.والفرضية القائلة: ان من الممكن للحياة أن تكون قد إنتقلت من الكواكب
ــــــــــــــــــــــــــــ.
[١] تفسير المراغي المجلد ٧ ص ١٩٧ وتفسير المنار المجلد ٧ ص ٦٣١