نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٨
لو كان للطفل عقل منذ البداية فلا شك أنه كان يتألم بشدة، لأنه سوف يشعر آنذاك بالضعف والمذلة، فهو لا يستطيع المشي ولا الأكل ولا القيام بأبسط الحركات، يجب أن يلفّوه بقماش ويضعوه في المهد ويغطوه بغطاء ويشطّفوه ويحفظوه.يقول الاِمام الصادق((عليه السلام)) ضمن الأِشارة إلى هذا الموضوع في حديثه المسمى بـ "توحيد المفضل": "فإنه لو كان يولد تام العقل مستقلا بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية الأولاد، وما قدر أن يكون للوالدين في الأشتغال بالوالد من المصلحة..."(٢)بالأِضافة إلى أن الأِنتقال الى عالم جديد تمام الجدة ومجهول كان سيسبب له من الوحشة والأِضطراب ما قد يضر بفكره وأعصابه، لكن تلك القدرة الأزلية التي خلقت الأِنسان للتكامل قدّرت فيه كل هذه الأصول.كذلك لو كانت حواسه متكاملة، وفتح عينه فجأة وشاهد مشاهد جديدة وإستمعت أذنه إلى الأصوات والأنغام الجديدة، لما كان في وسعه تحملها، وإنما تحصل هذه الأمور بصورة تدريجية وواحدة تلو الأخرى.الملفت للنظر أن القرآن الكريم يقول : (واللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُوْنَ شَيْئاً وَجَعلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأبْصارَ والأفْئِدةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُروُنَ)(٣).وفقاً لهذه الآية فإن الاِنسان لا يمتلك أي علم في البداية ولا يتمتع حتى بالأذن والعين، ثم وهبه الله القدرة على السماع والنظر والتفكير. ربما كان ذكر السمع
قبل ذكر الأبصار إشارة إلى أن النشاط السمعي عند الوليد يبدأ أولا، وبعد فترة تكتسب الأعين قدرتها على الاِبصار. بل إن البعض يعتقد وكما أسلفنا أن للأذن في عالم الجنين مقداراً من القابلية على السماع، فهي تسمع أنغام قلب الأم وتعتاد عليها.
.
١٤ ـ غذاء الطفل مُعدُّ قبل ولادته:
اللبن غذاء كامل، وخاصة لبن الأم الذي يعتبر غذاءً أكمل بالنسبة لوليدها ولا يستطيع شيء في العالم أن يحل محله.يحتوي الحليب على انواع الفيتامينات كفيتامينa،b،d،sap وفيتامينات أخرى. وقد إكتشف فيه العلماء٢٢ مادة مختلفة، علاوة على انواع الأنزيمات[١]. والكثير من الأدوية الضرورية تنتقل عن طريق لبن الأم إلى وليدها. ومن هنا فإن الأطفال المحرومين من لبن الأم يصابون بمختلف الاعراض.يبدو أن لبن الأم لا يغذي جسم الطفل فحسب، بل إنه يروي عواطفه وروحه أيضاً، ولهذا قد يصاب المحرومون من لبن الأم بمشاكل ونواقص عاطفية بعض الأحيان.وعلى هذا الأساس يقول القرآن الكريم : (والْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كـامِلَيْنِ لِمَنْ أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ)(٢).إن عجائب وغرائب اللبن اكثر من أن يحتويها هذا المختصر، وإذا أردنا أن نترك عنان القلم لمثل هذه الأبحاث نكون قد خرجنا عن بحثنا التفسيري.
.
تمهيد:
ــــــــــــــــــــــــــــ.
[١] (الانعام الآية: ٩٥)