نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٧
المعنى مع تأكيد اكثر في الآية الخامسة اذ يقول ( نَسْقِيْكُمْ مِمّا في بُطُوْنِهـا مِنْ بَيْنِ فَرْثِ وَدَم لَبَناً خالِصاً سـائِغاً لِلشّارِبِيْن)[١].فأيُّ قدرة تلك التي تُخرجُ مثل هذا الغذاء الطاهر الصافي اللذيذ من بين تلك الاشياء الملّوثة؟ لونه ابيض، طعمه حلوٌ، رائحته عطرة، ومقبولٌ من جميع الجهات.والعجيب ما يذكره العلماء.. فمن اجل انتاج لتر واحد من الحليب في ثدي الحيوان يجب أنْ يمرَّ ما يقارب خمسمائة لتر من الدم خلال هذا العضو كي يتم امتصاص المواد اللازمة من الدم لتكوين ذلك اللتر من اللبن! ومن اجل انتاج لتر واحد من الدم في الشرايين لابدَّ أنْ تمُرَّ الكثير من المواد الغذائية خلال الامعاء هنا حيث يتجلّى مفهوم (مِنْ بَيْنِ فرث وَدَم).وقد قيلَ الكثير حول تركيب اللبن وكيفية تكوينه في الأثداء، وانواع المواد الاولية والفيتامينات الموجودة فيه، ومزاياه التي تمنح الطاقة، والمستخرجات المتعددة التي تُنتجُ منه، وفائدته لكلِّ الاعمار، بحيث لو جُمعَتْ لألَّفَتْ كتاباً مُعتَبراً، يُخرِجُنا التطرق اليه عن اطار البحث التفسيري.ونكتفي هنا بذكر رواية مليئة بالمعاني عن النبي((صلى الله عليه وآله وسلم)) حيث يقول: "إذا أكَلَ أحَدُكُمُ طعاماً فَلْيَقُلْ اللّهُمَّ بارِكْ لَنـا فيهِ، وأطْعمنا خيراً مِنْهُ، واذا شَرَبَ لَبَناً فَلْيَقُل أللّهُمَ بارِكْ لَنـا فيهِ، وَزِدْنا مِنهُ، فَانّي لا أَعْلَمُ شَيئاً أنْفَعُ في الطّعامِ والشَّرابِ مِنْهُ"[٢].ثم يتطرق الى الفائدة الثانية للحيوانات ذوات الاربع، فيقول في جملة قصيرة
ــــــــــــــــــــــــــــ.
[١] "فرث" بمعنى الغذاء المهضوم، والجدير بالذكر انَّ "بطونها" ذُكرت في سورة المؤمنون مع ضمير مؤنث حيث لها معنىً يفيد الجمع في مثل هذه الموارد، وفي سورة النحل "بطونه" بضمير المذكر اذ لها معنىً فردي، وقال بعض المفسِّرين ان "انعام" اسمُ جمع ولو لوحظ ظاهر اللفظ فانَّ ضمير المفرد يعود اليها، ولو لوحظ معناه فانّه ضمير جمع ولو لوحظ ظاهر اللفظ فانَّ ضمير المفرد يعود اليها، ولو لوحظ معناه فانّه ضمير جمع وقال بعضهم ان ضمير المفرد لمفهوم الجمع وضمير المؤنث لمفهوم الجماعة، ( يُراجع تفسير الكشاف والفخر الرازي وروح المعاني و "ابو" الفتوح الرازي).
[٢] "روح البيان" ٩ج ٥ ص ٤٨.