نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩
ثمة مثل معروف يقول: "إنَّ الناس عبيد الأِحسان".
ورد نفس هذا المعنى تقريباً في حديث عن أمير المؤمنين الأمام علي((عليه السلام)): "الانسان عبد الاِحسان"[١].
ونقرأ في حديث عن نفس الاِمام "بالإِحسانِ تملك القلوب"[٢].
وفي حديث عن نفس الأمام أيضاً "وأفضِلْ على من شِئتَ تكن أميره"[٣].
وجذور كل هذه المفاهيم في حديث الرسول((صلى الله عليه وآله وسلم)) إذ يقول: "إن الله جعل قلوب عباده على حب من أحسن إليها وبغضِ مَنْ أساء إليها"(٤).
والخلاصة هي أن هنالك حقيقة تقول: إنَّ الذي يسدي خدمة لشخص آخر أو ينعم عليه نعمة فسيكون محطاً لعواطفه، ويكون هذا الآخر محباً لصاحب الخدمة والنعمة، يحب أن يتعرف عليه تماماً ويشكره، وكلما كانت هذه النعمة أهم وأوسع، كان تحريك العواطف نحو "المنعم" و "معرفته" اكثر.
ولهذا جعل علماء علم الكلام (العقائد) مسألة "شكر المنعم" ومنذ القِدَم إحدى المحفزات على التحقيق حول الدين ومعرفة الله.
ولكن يجب الانتباه إلى أن "شكر المنعم" هو دستور عاطفي قبل أن يكون حكماً عقلياً.
نختم هذه الاشارة ببيت شعر لأبي الفتوح البستي الشاعر العربي المعروف:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ***** فطالما استعبد الانسانَ إحسانُ
بعد هذه الأشارة ننتقل إلى القرآن ونستمع خاشعين إلى الآيات أدناه:
١ ـ (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهـاتِكُمْ لا تَعْلَموْنَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصـارَ وَالأفئدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُروْنُ)
)[١].
٢ ـ (وَهُوَ الَّذِيْ سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيَّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيةً تَلْبَسُونَهـا وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيْهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُوْنَ)
[٢].
٣ ـ (فَكُلُوا مِمـّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالا طَيِّبَاً وإشْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ إنْ كُنْتُمْ إيـّاهُ تَعْبُدُوْنَ)
[٣].
* * *
.
جمع الآيات وتفسيرها:
تتحدث الآية الأولى عن أهمية النعم الألهية لتحرك في الناس حس الشكر وتدعوهم عن هذا الطريق إلى معرفة "المنعم". إِنَّ الحديث عن النعمة وسيلة للمعرفة يتحدث القرآن عن "العين" و "الأذن" و "العقل": (واللهُ الَّذي أخْرَجَكُم مِنْ بُطُونَ اُمَهاتَكُم لا تَعْلَمُوْنَ شَيئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصـارَ وَالاْفْئِدَةَ).
فعن طريق السمع تتعرفون على العلوم النقلية ومعارف الآخرين.
وعن طريق البصر ومشاهدة أسرار الطبيعة وعجائب الخلقة تتعرفون على العلوم التجربية، وعن طريق العقل تتعرفون على العلوم العقلية والتحاليل المنطقية.
ومع ان هذه المواضيع الثلاثة معطوفة على بعضها في هذه الآية بالواو ولا تعني بالضرورة الترتيب، إلاّ أنهُ ليس من المستبعد أن يكون هذا هو الترتيب الطبيعي
لها. لأن الانسان لا يمتلك القدرة على النظر والمشاهدة إلى حدود فترة بعد ولادته، ولأنه معتاد على الظلام فهو يخاف من النوع ويغلق عينيه إلى مدة. في حين أن الاذن تسمع أول الأصوات. ومن الواضح أن القدرة العقلية والتمييز والشعور تحيى في الاِنسان بعد السمع والبصر، خاصةً وأن "الفؤاد" كما يصرح أرباب اللغة بمعنى "العقل الناضج العميق" ولا يفيد أية مرحلة بسيطة من العقل، وطبعاً فإن مثل هذا الشيء يظهر بعد ذلك.
فضلا عن ان الآية أعلاه يمكن أن تكون إشارة إلى حقيقة أن الوصول إلى "الكليات العقلية" يأتي بعد العلم بـ "الجزئيات" عن طريق الحس. وعلى كل حال، فالآية أعلاه تصرح أن الهدف من إسداء هذه النعم هو تحريك حس الشكر في البشر، والذي يدعوهم بالنتيجة إلى محبة الخالق ومعرفة الله وإطاعة أوامره.
وبالطبع فإن هذا لا يتناقض مع كون بعض العلوم الاِنسانية علوماً فطرية لأن المعلومات الفطرية عند الولادة موجودة في طبيعة الاِنسان على شكل الاِستعداد والقابلية، وليس لها طابع الفعلية، ثم تثمر بعد ذلك.
* * *
الآية الثانية تشير إلى ثلاث نعم إلهية أخرى تتعلق جميعها بتسخير البحار وتعتبرها دافعاً نحو الاستمداد من فضل الله وشكره.
أولا اللحوم التي تتوفر عن طريق البحر والمسماة بـ (لَحْماً طَرِياً). اللحم الذي لم يبذل الانسان جهد تربيته أبداً، وإنما ربته يد القدرة الالهية في قلب البحار ووضعته في متناول ايدي الانسان مجاناً، يعتبر نعمة كبيرة، خاصة في عصر وزمان كانت تكثر فيه اللحوم الفاسدة وكان الناس يضطرون إلى الاِحتفاظ باللحوم الى فترة معينة عن طريق تمليحها أو شوائها وتجفيفها تحت اشعة الشمس. كانت هذه اللحوم تسبب الكثير من الأمراض والتسمم للمسافرين، في حين كانوا يستخدمون اللحكم الطازج بكل سهولة في اسفارهم البحرية أو الساحلية.
ثم تشير إلى المواد التجميلية المستخرجة من قلب البحار والمستخدمة من