نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢
يُرجَع إليهم ويستشارون عند المعضلات: ما هذا الذي يقوله "محمد"؟ أهو سحر؟ أهو تكهّن؟... فقال "الوليد": يجب علي أن أذهب إليه وأتحقق. وعندما جاء إلى النبي((صلى الله عليه وآله وسلم)) قرأ له بعضاً من آيات سورة فصلت إلى أن جاء إلى الآية المنظورة في بحثنا (فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ صـاعِقَةِ مِثْلَ صـاعِقَةِ عـاد وَثَمُوْدَ).
فارتجف "الوليد" لسماع هذه الآيات وإنتصب الشعر في جسده مقشعرّاً، فنهض من مكانه وعاد إلى بيته وأغلق الباب على نفسه، حتى ظن اكابر قريش أنه يميل نحو الدين الأِسلامي، وعندما جاؤوا إليه وسألوه عن شأنه، قال: ما صبوت (اي لم اُسلم) واني على دين قومي وآبائي ولكني سمعت كلاماً صعباً تقشعرّ منه الجلود، فلا هو بالشعر ولا بالخطب ولا بالكهانة، ولما قيل له: إذن ما نقول فيه؟ قال: قولوا هو سحر. فانه آخذ بقلوب الناس.[١]
أولا يمكن لمثل هذه التهديدات الواردة في الآيات القرآنية وبقيّة المصادر الدينية أن تكون حافزاً على التحرك نحو التحقيق (بالنسبة لمن لم يؤمنوا لحد الآن).
* * *
في الآية المعينة السابعة من البحث، أُمِر الرسول((صلى الله عليه وآله وسلم)) أن يخاطب جميع معارضيه ويعضهم بمسألة واحدة (قُلْ إنَّمـا أعِظُكُمْ بِواحِدَة أنْ تَقُومُوا للهِ مُثْنَى وَفُرادَى ثُمَّ تَتَفَكَّروُا مـا بِصـاحِبِكُمْ مَنْ جِنَّة إنْ هُوَ إلاّ نَذِيْرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَي عَذاب شَدِيد...).
كل تعابير هذه الآية تعابير مدروسة.
فالتعبير بـ (انما) من أجل الحصر.
والتعبير بـ (الموعظة) يستخدم في المواضع التي يحكم فيها العقل بشيء، ولكن لكون الانسانُ غافلا عنه فهناك شخص حريص آخر يوقظه ويعظُهُ.
والتعبير بـ (القيام) دليل على الاِستعداد الكامل لتنفيذ الأهداف الجدية.
والتعبير بـ (مثنى) و (فرادى) إشارة إلى النشاطات الجماعية والفردية والجهود الشاملة في هذا السبيل "لا شك أن الاِنسان يفكر بشكل أعمق عند إنفراده ولكنه يفكر بشكل أكمل حين يكون ضمن الجماعة، لأن الافكار ستتحد مع بعضها. والجمع بين هذين (التفكير على إنفراد وضمن الجماعة) هو أفضل الطرق"
"[١].
ثم التعبير بـ (التفكر) الذي ينبع من الصميم ويهدي الاِنسان إلى البراهين العقلية الواضحة.
والتعبير بـ (لكم) هو الآخر ممتزج بمسألة الانذار والاِلتفات إلى العذاب الشديد وفيه إشارة إلى أن الموضوع هنا هو نفعكم وضرركم فقط، ولا هدف للنبي((صلى الله عليه وآله وسلم)) سوى هذا.
أفلا يجب والحال هذه أنّ يأخذوا دعوته مأخذ الجد ويفكروا فيها ويعثروا على الحق ثم يتبعوه؟
.
النتيجة:
إن الآيات أعلاه وآيات مشابهة أخرى تكشف النقاب جيداً عن الحافز العقلي للبحث والتنقيب في طريق "معرفة الله" وتدل على أنه لا يمكن لأي إنسان عاقل أن يتقاعس ويسكت أزاء الهتافات العظيمة للرسل الالهيين على صعيد الدعوة الى الله ذات العلاقة الوثيقة بمصير الجميع. وهذا هو الحافز الأول للتحقيقات الدينية.
* * *
.
توضيحات:
٢ ـ روي نفس هذا المعنى عن الامام الصادق ((عليه السلام)) في قوله: "من عرف إختلاف الناس فليس بمستضعف"
[٢].
وفي هذا إشارة إلى أن الاِنسان حين يطلع على وجود الاِختلاف سوف يرغمه عقله على التحقيق والمطالعة (النظر)، وعندها لا يُعتبر مستضعفاً.
وبالطبع فالقصد من "المستضعف" هنا هو "المستضعف فكرياً" الذي نسميه أحياناً بـ "الجاهل القاصر".
٣ ـ جاء في حديث آخر عن النبي الأكرم ((صلى الله عليه وآله وسلم)): "أربعة تلزم كل ذي حجى وعقل من أمتي. قيل: يا رسول الله ما هنَّ؟ قال: إستماع العلم وحفظه ونشره والعمل به"
[٣].
وبهذا يعتبر النبي ((صلى الله عليه وآله وسلم)) الاستماعَ والتحقيقَ من آثار وعلامات العقل والدراية.
.
٢ ـ المعاندون الملحّون:
ــــــــــــــــــــــــــــ.
[١] (نوح الآية: ٧).
[٢] (فصلت الآية: ٢٦).