نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٦
لهذا نقرأ في حديث عن الرسول الاكرم((صلى الله عليه وآله وسلم)): "يا ايها الناس! هما نجدان: نجد الخير ونجد الشر، فما جُعِلَ نجد الشر أحبَّ اليكم من نجد الخير".[١]يحصر بعض قصار النظر مفهوم الآية الواسع في داخل موضوع محدود، ويقولون: ان المقصود من هذين المكانين المرتفعين هما ثديا الأُم! وقد ورد في الحديث أن الاِمام علي((عليه السلام)) سُئِل بأن جماعة من الناس يقولون إِنّا هديناه النجدين اشارة الى الثدي، فقال: "لا، هما الخير والشر".إن الهداية الالهية في هذا المجال تحصل طبعاً عن طرق مختلفة، عن طريق الوجدان الأخلاقي، الفطرة، الدلائل العقلية، وتعاليم الرسل (أي انها تشمل انواع الهداية التكوينية والتشريعية)، لكن سياق الآيات يناسب الهداية التكوينية أكثر.
* * *
وفي الآية الثالثة بعد أن يُقسم بروحِ الانسان، وخالق الروح، يشيرُ الى مسألة الهامِ الفجورِ والتقوى ويقول: إنَّ الله تبارك وتعالى ألْهَمَ نَفْسَ الانسانِ الفجور والتقوى (فَأَلْهَمَها فَجُوْرَها وَتَقْواهـا). و (الالهام) مِنْ مادة (لَهْمْ) على وزن ( فَهْمْ) أي (اَبتلاع) أو (شرب) الشيء[٢].ثم جاءت بمعنى القاء الأمر في قلب الانسان من قبل الباري تعالى، فكأنما يلتهمُ القلبُ ذلك الأمرَ بتمامه، وللالهام معنىً آخر ايضاً وهو "الوحي"، حيث استُخدِمَ ايضاً بهذا المعنى احياناً.وتعني (الفجور) خرقَ حجابِ التقوى، وارتكاب الذنوب، وهي من مادة "فَجْر" التي تعني الانشقاق الواسع، أو انكشاف ظلمة الليل بواسطة بياض الصبح.و (التقوى) من مادة "الوقاية"، وتعني (الصيانة)، و المقصود هنا الاسباب
ــــــــــــــــــــــــــــ.
[١] نور الثقلين، المجلد ٥ ص ٥٨١، ومجمع البيان وتفسير القرطبي، وقد روي نفس هذا المعنى عن الامام الصادق تعقيباً على الآيات المنظورة.
[٢] لسان العرب مادة "لَهمْ" بناءً على ذلك فحينما تستعمل هذه المادة في باب الافعال تفيد "الابتلاع والشرب" وقال بعض انها تستخدم في امور الخير فقط. وان المراد من الهام الفجور في الآية هو صده عن الخير ايضاً.