المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ٦٤ - باب الحكمين
فقوله تعالى ( وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة ) وهو أمر بصيغة الخبر لانه معطوف على قوله تعالى ( فاكتبوه ) وعلى قوله تعالى ( وأشهدوا إذا تبايعتم ) وأدنى ما يثبت بصيغة الامر الجواز
والسنة حديث عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودى طعاما لبيته ورهنه درعه وفى حديث أسماء بنت يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفى ودرعه مرهون عند يهودى بوسق من شعير وعن ابن عباس وأنس رضى الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه ليهودي فما وجد ما يفتكه حتى توفى صلوات الله عليه وجاء اليهودي في أيام التعزية يطالب بحقه ليغيظ المسلمين به وفى هذا دليل جواز الرهن في كل ما هو مال متقوم ما يكون معدا للطاعة وما لا يكون معدا له في ذلك سواء فان درعه صلوات الله عليه كان معدا للجهاد به فيكون دليلا على جواز رهن المصحف بخلاف ما يقوله الشيعة أن ما يكون للطاعة لا يجوز رهنه لانه في صورة حسبة عن الطاعة وفيه دليل أن الرهن جائز في الحضر والسفر جميعا فانه رهنه صلى الله عليه وسلم بالمدينة في حال اقامته بها بخلاف ما يقوله أصحاب الظواهر أن الرهن لا يجوز الا في السفر لظاهر قوله تعالى ( وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة ) والتعليق بالشرط يقتضى الفصل بين الوجود والعدم ولكنا نقول ليس المراد به الشرط حقيقة بل ذكر ما يعتاده الناس في معاملاتهم فانهم في الغالب يميلون إلى الرهن عند تعذر امكان التوثق بالكتاب والشهود والغالب أن يكون ذلك في سفر والمعاملة الظاهرة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا فالرهن في الحضر والسفر دليل على جوازه بكل حال ثم ذكر عن على بن أبى طالب رضي الله عنه قال يترادان الفضل في الرهن وفيه دليل أن المقبوض بحكم الرهن يكون مضمونا ثم بيان هذا اللفظ أنه إذا رهن ثوبا قيمته عشرة بعشرة فهلك عند المرتهن سقط دينه فان كانت قيمة الثوب خمسة يرجع المرتهن على الراهن بخمسة أخرى وهومذهبنا أيضا وان كانت قيمته خمسة عشر فالراهن يرجع على المرتهن بخمسة وهو مذهب علي رضى الله عنه وبه أخذ بعض الناس ولسنا نأخذ بهذا وانما نأخذ بقول عمر وابن مسعود رضى الله عنهما فانهما قالا انه مضمون بالاقل من قيمته ومن الدين فإذا كانت القيمة أكثر فالمرتهن في الفضل أمين وهكذا روى محمد بن الحنفية عن علي رضى الله عنه أن المرتهن في الفضل أمين وحاصل الاختلاف فيه بين العلماء رحمهم الله على ثلاثة أقاويل فعندنا