الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ١١٣ - المتن
قلت: و تفصيل ما أجمله الفخر الرازي هو أن القرآن إنما ورد لبيان ما يجب على العباد الأخذ به أو الانتهاء عنه، و كان الغرض منه و من بعث الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) هو الإنذار و التخويف من محارم اللّه تعالى، كما في قوله تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ» [١]، و قال سبحانه مخاطبا به النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» [٢]، و قال تعالى: «وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ» [٣]، و قوله سبحانه: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ». [٤]
و تقتضي هذه الآيات وجوب تبليغ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) حكم عدم الإرث إلى علي و فاطمة (عليهما السلام) و العباس و سائر نسائه، و لا يجوز له (صلّى اللّه عليه و آله) التأخير عن بيان الحكم المختص بهم لهم، فكيف يجوز على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أن لا يبيّن الحكم الجاري فيما بيّنه و بين وارثه، و يتركهم في خلاف الواقع، و يبيّنه لرجل آخر أجنبي عنهم و عن إرثهم؟
أ فلم يكن بيان الحكم لهم من الإنذار الواجب عليه (صلّى اللّه عليه و آله) بنص القرآن؟
أو لم يكن تركه من الإغراء بالجهل و الإيقاع في الضلال؟
فأيّ قدح أعظم من كتمان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لذلك في إنذاره و تبليغه و وصاياه، فلا يعرّف أهله و عشيرته أنهم لا يرثونه، و العقل لا يجوز ذلك بعد أن لم يكن من الأسرار المكنونة.
اللازم لذي العقل و العقلاء أن يكون تبليغ الحكم جاريا مجرى المتعارف و لا تجدي الاتفاقات القهرية؛ مثلا لو لم يكن أبو بكر حاكما و وليا لم يفد تعريف النبي (صلّى اللّه عليه و آله) له حديث ما تركناه صدقة و إعلامه إياه فائدة أصلا، و لم يكن حجة قاطعة.
أما عند الخليفة و الحاكم على فرض كونه غير أبي بكر فلأن شهادة الواحد الغير المنصوص على عصمته و تطهيره من اللّه تعالى لا تقبل، و أما عند المدّعى عليه
[١]. سورة الطلاق: الآية ١٠، ١١.
[٢]. سورة النحل: الآية ٤٤.
[٣]. سورة الزخرف: الآية ٤٤.
[٤]. سورة الشعراء: الآية ٢١٤.