القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٤٠٣ - و الكلام في المقام
و ذلك إنّما يتمّ في مسلّمات الشّرع، مثل: أنّ أهل الشّرع يمنعون الطّلبة عن النّظر في الحكمة لأنّ أهل الحكمة قد خالفوا مسلّمات الشّرع من حدوث العالم و عدم كون العقول مؤثّرات في السّفليات، و كون المعاد جسمانيّا، و إمكان الخرق و الالتئام [١] في الأفلاك، بل و تحقّقه، و أمثال ذلك.
فإنّ كلّ مسلم يحكم بأنّ عدم الاعتقاد بالقدم و الاستحالة للخرق و الالتئام [٢] و نحو ذلك، لا يوجب العذاب، فإن أوجب، فهو الاعتقاد بهما، فلا يضرّ المنع عن النّظر في أدلّة الخلاف، إذ المفروض بقاء اطمئنان المكلّف بحاله، و لا داعي الى تنبيهه على الاشكال، بل الدّاعي على خلافه ثابت.
و أمّا من حصّل مرتبة من العلم و قرع سمعه شبهات الحكماء، فلا ريب أنّ الاكتفاء بقول العلماء في حرمة النّظر إنّما هو تقليد لهم في هذه المسألة التي هي من الأصول، و أنّه حينئذ واجد للشبهة و متنبّه للإشكال، لا أنّه مظنّة للشّبهة، و حينئذ نقول: إن كان شبهتهم و مخالفتهم إنّما هي على ما علم صدوره عن الشّرع، فلا يمكن حصول الجزم و اليقين بقولهم و أدلتهم مع الاعتقاد بالشّرع، لامتناع اجتماع القطعيين المتخالفين.
و إن كان فيما يحتمل أن يكون مراد الشّرع غير ذلك، كما يدّعيه حكماء الإسلام في كثير من المسائل، فلا بدّ فيه من المراجعة و التأمّل، فإن حصل اليقين على ما قالوه و احتمل الشّرع لموافقتهم، فلا مناص من القول به، و إن لم يحصل اليقين بما قالوه، فيقدّم الشّرع و إن كان مظنونا، لأنّ الظنّ الحاصل من ظواهر الشّرع ممّا لا ريب في حجّيته ما لم يعارضه قاطع، بخلاف الظنّ الحاصل من
(١- ٢) في نسخة الأصل (الالتيام).