القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٣٩٦ - و الكلام في المقام
استفهام عدم الكفاية، فإنّه متعارف في باب تأكيد الكلام السابق و تتميمه، لا أنّه مباين للأوّل.
فحينئذ، فمعنى ما ورد في الأدعية ممّا يشعر بالطّريقة الأخيرة مثل قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «يا من دلّ على ذاته بذاته» [١]. و قول السّجّاد (عليه السلام): «بك عرفتك و أنت دللتني عليك» [٢]. و مثلهما، فيحتمل معنيين:
أحدهما: أنّ الظّهور الإجماليّ الذي حصل منك في فطرتنا، بل فطرة البهائم صار سببا لتوجّهنا الى حقّ معرفتك الى أن عرفناك بما استطعنا، أو أنّ خلقك إيّانا و جوارحنا و قوانا و حواسّنا و الأمور الغريبة التي يحصل منها العبرة و يجرّنا الى وادي الفكرة، صارت سببا لمعرفتنا إيّاك، فبسببك و عنايتك عرفناك.
و هذا إن قلنا بالفطرة كما هو الظّاهر، و سنشير الى بيانها في الجملة، و إلّا فالمتعيّن هو الثّاني، و يرجع مآله الى استدلال العجوز.
الرّابع: أنّه (صلى الله عليه و آله) و سلم نهى عن الجدل كما في مسألة القدر، روي أنّه (صلى الله عليه و آله) و سلم «خرج على أصحابه فرآهم يتكلّمون في القدر، فغضب حتّى احمرّت وجنتاه، و قال (صلى الله عليه و آله) و سلم: «إنّما هلك من كان قبلكم لخوضهم في هذا، عزمت عليكم أن لا تخوضوا فيه أبدا» [٣]. و قال (صلى الله عليه و آله) و سلم: «إذا ذكر القدر فأمسكوا» [٤].
و فيه: أنّ النّهي عن الجدل، بل عن البحث، غير النّهي عن النّظر، إذ قد يكون الجدل مراء حراما، و قد يكون فيما لا طائل تحته فيكون تضييعا للوقت، و قد
[١] من دعاء الصباح لأمير المؤمنين (عليه السلام).
[٢] في دعاء عرفة.
[٣] الأحكام للآمدي: ٤/ ٢٢٤.
[٤] البحار: ٥٥/ ٢٧٦ ح ٧٤.