القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٣٥٦ - قانون التّقليد في أصول الدّين
و فكره مقرون بهما مكلّف بما تبلغه [١] طاقته في ذلك، إذ البواعث الكامنة في النّفوس و الدّواعي الجالبة لاختيار الطّرائق قد تختفي على النّفوس الكاملة الواصلة أعلى الدّرجات ما لم يبلغ حدّ العصمة، فكيف بالجاهل الذي لم يعرف بعد مواقع الخطأ من دقائق معايب النّفس، و الأطفال في أوائل البلوغ، فإن فهم أنّ محض موافقة الآباء و الأمّهات، ممّا يوجب التّثبّط عن البلوغ الى الحقّ ممّا لا يخطر ببال أكثرهم، بل يصعب إزالته غالبا على العلماء المرتاضين الّذين يحسبون أنّهم خلعوا هذه الرّبقة عن أعناقهم فضلا عمّن دونهم.
و كذلك الكلام في سائر معايب النّفس من حبّ أفكاره الدّقيقة التي استقلّ بها، و عدم تقاعده عن مكافحة الخصوم، و تقيّده بخوف التّضعضع عن درجات العلوم، فإنّ لهذه المعايب دركات تحت دركات لا يتدرّج منها كلّ أحد الى درجات التّصعّد، و ربّما يكون منها ما هو أخفى من دبيب النّملة على الصّفا في اللّيلة الظّلماء.
و من الواضح أنّ التّخلّي عن جميع عروق الأخلاق الرّديّة لا يمكن لكلّ أحد، بل و لا لأكثر العلماء فضلا عن العوامّ، بل و لا لأحد من النّاس بعد مدّة مديدة من المجاهدات، و ربّما يكون نهايتها نهاية العمر، فكيف يقال ببطلان العقائد و الأعمال لكافّة النّاس في غالب أعمارهم، بل الظّاهر أنّه مناف لحكم اللّه تعالى و رأفته، بل لعدله.
فظهر من ذلك أنّ مراتب التّكاليف مختلفة، و كلّ ميسّر لما خلق له.
[١] في نسخة الأصل (يبلغه).