القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٣٩٥ - و الكلام في المقام
و الثّاني: أنّ الأليق و الأنسب في الاستدلال و الإسلام لكافّة النّاس، و الأسهل لعامّتهم، و هو طريقة الإنّ و هو الاستدلال بالآثار على المؤثّر، و بالخلق على الخالق، لا النّظر في نفس الوجود و الموجود المحتاج الى التمسّك ببطلان الدّور و التّسلسل لعدم بلوغ فهم العامّة إليه، و لا التّمسّك بملاحظة نفس الوجود و ادّعاء تأصّله على طريقة وحدة الوجود التي يسمّونها المتصدّون لها استدلالا من الحقّ الى الحقّ، لأنّ محقّقي المتصدّين لذلك مقرّون بأنّه لا يتمّ إلّا بالكشف و الشّهود الذي لا يحصل إلّا بالرّياضة و المجاهدة، و ليس إدراكه في وسع العقل و النّظر.
و المتصدّون لإتمامه بالاستدلال كما صدر عن بعض متأخّريهم، لو فرض تسليم مقدّماته، فإنّما هو ممّا لا يصل إليه يد أكثر العلماء، فضلا عن العوامّ، و لا ريب أنّه مزلّة و مزلقة للخواصّ فضلا عن العوامّ، فكيف يكلّف بذلك عامّة النّاس، فلذلك خاطب المكلّفين بقوله: «عليكم بدين العجائز».
و الظّاهر أنّ هذه الطّريقة أجنبيّة بالنّسبة الى طريقة الشّرع، و لم يدلّ عليها آية و لا خبر.
و ما يقال إنّ قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [١] إشارة الى الطّريقتين، فأوّلها إشارة الى الاستدلال من الآثار الى المؤثّر كما هو طريقة المحجوبين عن الشّهود، و آخرها يعني قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ الخ إشارة الى الطّريقة الأخيرة، يعني وحدة الوجود، فهو من التّأويلات التي دعا إليها رسوخ ما فهموه بأفهامهم في خواطرهم، بل الظّاهر من الآية أنّها على نسق واحد كما ينادي به
[١] فصّلت: ٥٣.