الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠٦٨ - فصل في إبطال القياس بالبراهين الضرورية


حدثنا أحمد بن قاسم قال : نا أبي القاسم بن محمد بن قاسم ، قال : نا جدي قاسم بن أصبغ ، نا محمد بن إسماعيل الترمذي ، نا نعيم بن حماد ، نا عبد الله بن المبارك ، ثنا عيسى ابن يونس ، عن جرير - هو ابن عثمان - عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن أبيه ، عن عوف بن مالك الأشجعي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة ، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم ، فيحلون الحرام ويحرمون الحلال .
قال أبو محمد : حريز بن عثمان ثقة ، وقد روينا عنه أنه تبرأ مما أنسب إليه من الانحراف ، عن علي رضي الله عنه ، ونعيم بن حماد قد روى عن البخاري في الصحيح ، وفي الأحاديث التي ذكرنا في هذا الفصل ، وفيما قبل هذا ، من أمره عليه السلام بأن يتركوا ما تركهم ، وأن ينتهوا عما نهاهم ، وأن يفعلوا ما أمرهم به ما استطاعوا كفاية في إبطال القياس لمن نصح نفسه .
وقد قال بعض أصحاب القياس : إنما أنكر في هذه الأحاديث من يقيس برأيه ، وأما من يقيس على تشابه المنصوص فلم يذم .
قال أبو محمد : فقلنا لهم : من أين فرقتم هذا الفرق ؟ وهل رددتموها على الدعوى المفتراة الكاذبة شيئا ؟ وقولكم هذا من أشد المجاهرة بالباطل .
وقد وجدنا للصحابة فتاوى كثيرة بالرأي يتبرؤون فيها من خطأ ، إن كان إلى الله تعالى ، ولا يوجدون شيئا منها دينا ، ولا يقولون إنه الحق ، بل يذمون القول بالرأي في خلال ذلك ، خوف أن يظن ظان أنه منهم على سبيل الايجاب والقطع بأنه حق ، فمن تعلق بالرأي هكذا فله متعلق . وأما القياس الذي ذكر هذا القائل على التعديل ، واستخراج ، علة الشبه ، فما نطق بذلك قط أحد من الصحابة ، ولا قال به ، فالذي فر إليه أشد مما فر عنه . وبالله تعالى التوفيق .
وقد جاء عن الصحابة رضي الله عنهم ، وعمن بعدهم إبطال القياس نصا . كالذي ذكرنا عن أبي هريرة من قوله لابن عباس : إذ أتاك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له الأمثال . وهذا نص من أبي هريرة على إبطال القياس .