الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١١٤٠ - الباب التاسع والثلاثون في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين


بطلان ما ادعاه خصومنا من العلل القياس نصا ، وقال تعالى لموسى عليه السلام :
* ( اخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى ) * .
فكان كون موسى عليه السلام بالوادي المقدس سببا لخلع نعليه ، ونحن نكون بذلك الوادي ، وبكل مكان مقدس كمكة والمدينة وبيت المقدس ، ولا يلزمنا خلع نعالنا ، ولو كان دخول الوادي المقدس علة للخلع للزمنا ذلك .
وقال تعالى : * ( وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا ) * .
قال أبو محمد : هذه آية كافية إنه لا يحل التعليل في شئ من الدين ، ولا أن يقول قائل : لم حرم هذا وأحل هذا ؟ فقد صح قولنا : إن قول القائل : حرم البر بالبر لأنه مكيل ، أو أنه مدخل ، أو أنه مأكول ، بدعة نعوذ بالله منها .
فصل قال أبو محمد : ونحن نورد - إن شاء الله تعالى - طرفا يسيرا من تناقضهم في التعليل ، لندل بذلك عن إفساد مذهبهم ، فتناقضهم لو تتبع لدخل في أزيد من ألف ورقة ، ولعل الله تعالى يعيننا على تقصى ذلك في كتاب الاعراب إن شاء الله تعالى .
فمن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعن الله اليهود ، حرمت عليهم الشحوم فباعوها فأكلوا أثمانها فكان يلزمهم أيجعلوا ما حرم أكله محرما بيعه ، لكنهم لم يفعلوا ذلك ، بل كثير منهم يبيحون بيع الزبول ولا خلاف أن أكل الحيوان حيا كما هو محرم ولا خلاف في جواز بيع أكثره .
وكذلك فعلوا في قوله صلى الله عليه وسلم في الاستحاضة ، فإنه عرق ، فكان يلزمهم أن يجعلوا كل عرق يسيل من الجسد في مثل حكم المستحاضة ، كما جعلوا الميعان في الزيت علة لتحريمه إن مات فيه فأر قياسا على السمن ، لكنهم تناقضوا في ذلك . وهذا إجماع منهم على ترك الحكم بالعلل والقياس ، وهكذا يكون الباطل مرة مصحوبا ومرة متروكا ، وصح قولنا : إن ما كان سببا في مكان نص عليه لحكم ما فلا يكون سببا في مكان آخر لم ينص عليه لمثل ذلك الحكم .
فقالوا : معنى التعليل هو إجراء صفة الأصل في فروعه .