الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١١٢٩ - الباب التاسع والثلاثون في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين


اتفقا عليه ، ومثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود : إذنك على أن يرفع الحجاب وأن تستمع سوادي حتى أنهاك فكان رفع الحجاب واستماع حركة النبي صلى الله عليه وسلم علامة الاذن لابن مسعود ، وكقوله صلى الله عليه وسلم : إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار فكانت أصوات الأشعريين بالقرآن علامة لموضع نزولهم ، ومن هذا أخذت الاعلام الموضوعة في الفلوات لهداية الطريق ، والاعلام في الجيوش لمعرفة موضع الرئيس .
وقال أبو محمد : وهذا معنى رابع .
وقد سمي أيضا العلل معاني ، وهذا من عظيم شغبهم ، وفاسد متعلقهم ، وإنما المعنى تفسير اللفظ ، مثل أن يقول قائل : معنى الحرام ؟ فتقول له هو كل ما لا يحل فعله ، أو يقول : معنى الفرض ، فنقول : هو كل ما لا يحل تركه ، أو يقول : ما الميزان ؟ . فنقول له : آلة يعرف بها تباين مقادير الاجرام ، فهذا وما أشبه هو المعاني وهذا أيضا شئ خامس .
وكل هذا لا يثبت علة الشرائع ولا يوجب قياسا ، لان العلامة إذا كانت موضوعة لان يعرف بها شئ ما ، فلا سبيل إلى أن يعرف بها شئ آخر بوجه من الوجوه ، لأنه لو كان ذلك لما كانت علامة لما جعلت له علامة ، ولوقع الاشكال .
قال أبو محمد : فلما كانت هذه المعاني المسماة الخمسة التي ذكرنا ، مختلفة متغايرة كل واحد منها غير الآخر ، وكانت كلها مختلفة الحدود والمراتب ، وجب أن يطلق على كل واحد منها اسم غير الاسم الذي لغيره منها . ليقع الفهم واضحا ، ولئلا تختلط فيسمى بعضها باسم آخر منها ، فيوجب ذلك وضع معنى في غير موضعه ، فتبطل الحقائق .
والأصل في كل بلاء وزعماء تخليط وفساد ، اختلاط أسماء ووقوع اسم واحد على معاني كثيرة ، فيخبر المخبر بذلك الاسم ، وهو يريد أحد المعاني التي تحته فيحمله السامع على غير ذلك المعنى الذي أراد المخبر ، فيقع البلاء والاشكال ، وهذا في الشريعة أضر شئ وأشده هلاكا لمن اعتقد الباطل ، إلا من وفقه الله تعالى .
فإذا قد بينا هذه الأسماء الأربعة ، وهي : العلة والغرض والسبب والعلامة ، وبينا