الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠٥١ - فصل في إبطال القياس بالبراهين الضرورية


وهذا برهان ضروري ، ولا محيد عنه ، بين لا إشكال فيه على من له أقل فهم ، وليس هذا طريق اختصار ، ولا تنبيه ولا بيان ، ولكنه خبط وإشكال وإفساد وتدليس .
ولا تنبيه ولا بيان فيمن يريد أن يعلمنا حكم الصداق ، فلا يذكر صداقا ويدلنا على ذلك بما نقطع فيه اليد ، أيريد الاكل فيذكر الوطئ ، أو يريد الجوز فيذكر الملح ، أو يريد المخطئ فيذكر المتعمد ، وهذا تكليف ما لا يطاق ، وإلزام لعلم الغيب والكهانة ، وإيجاب للحكم بالظن الكاذب ، تعالى الله عن ذلك وتنزه رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه .
وإنما الاختصار وجوامع الكلم والتنبيه أن يأتي إلى المعنى الذي يعبر عنه بألفاظ كثيرة فيبينه بألفاظ مختصرة جامعة يسيرة ، لا يشذ عنها شئ من المراد بها البتة ، ولا تقتضي من غير المراد بها شيئا أصلا ، فهذا هو حقيقة الاختصار والبيان والتنبيه . وذلك مثل قول الله تعالى : * ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) * فدخل تحت هذا اللفظ ما لو تقصى لملئت منه أسفار عظيمة ، من ذكر قطع الأعضاء عضوا عضوا ، وكسرها عضوا عضوا ، والجراحات جرحا جرحا ، والضرب هيئة هيئة ، وذكر أحد الأحوال وسائر ما يقتضيه هذا المعنى من تولي المجني عليه للاقتصاص ، ونفاذ أمره في ذلك .
ومثل قوله صلى الله عليه وسلم : جرح العجماء جبار وسائر كلامه صلى الله عليه وسلم .
وأما من إسقاط معاني أرادها ، فلم يذكرها بالاسم الموضوع لها في اللغة التي بها خوطبنا ، وطمع أن يدل عليها باسم غير موضوع لها في اللغة : ، فهذا فعل الشيطان المريد إفساد الدين والتخليط على المسلمين ، لا فعل رب العالمين ، وخاتم النبيين . وبالله تعالى نستعين .
فإن قالوا : لسنا نقول : إنه تنزل نازلة لا توجد في القرآن والسنة ، لكنا نقول إنه يوجد حكم بعض النوازل نصا وبعضها بالدليل .
قيل لهم ، وبالله تعالى التوفيق : إن هذا حق ، ولكن إذا كان هذا الدليل الذي تذكرون لا يحتمل إلا وجها واحدا . فهذا قولنا لا قولكم ، وأما إن كان ذلك الدليل يحتمل وجهين فصاعدا فهذا ينقسم على قسمين : إما أن يكون هنالك نص آخر بين مراد الله تعالى من ذينك الوجهين فصاعدا بيانا جليا أو إجماع كذلك ،