الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١١٢١ - الباب التاسع والثلاثون في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين


الحكم بعينه ، بل يعصونه ويجيزونه ادخار لحوم الأضاحي ما شاء المرء من الدهور ، وإن دفت الدواف أفلا يستحي من يبطل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في نهيه إذا دفت دافة أن يدخر لحوم الأضاحي ، أكثر من ثلاث ويستجيز خلافه في ذلك ، من أن يحتج بذلك القول المطرح عنده في إثبات العلل الكاذبة لو أن الجوز باللوز إلى أجل لا يحل ؟ إن هذا لخلق فاسد ، منتج من رذائل جمة منها الجهل وقلة الحياء وقلة الورع وشدة العصبية ، وقلة المبالاة بالصدق ، وشدة الجور وقلة النصيحة والضعف والعقل ، ونعوذ بالله من كل ذلك .
وأما نحن فنقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل السبب في النهي عن ادخار لحوم الأضاحي أكثر من ثلاث ليال أن دافة دفت بحضرة الأضحى ، فإذا كان ذلك أبد الأبد حرم ادخار لحومها أكثر من ثلاث ليال ، فإن لم تدف دافة بحضرة الأضحى فليدخل الناس لحومها ما شاؤوا ، وانقيادا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم يأت ما ينسخه ، وهذا الذي قلنا به هو قول علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر ، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم : إنما جعل الاذان من أجل البصر .
قال أبو محمد : وهذا موافق لقولنا لا لقولهم ، لأننا لم ننكر وجود النص حاكما بأحكام ما لأسباب منصوصة ، لكنا أنكرنا تعدي تلك الحدود إلى غيرها ، ووضع تلك الأحكام في غير ما نصت فيه ، واخترع أسباب لم يأذن بها الله تعالى .
وأيضا فهذا الحديث حجة عليهم ، لأنهم أول عاص له أكثر أهل القياس ، مخالفون لما في هذا الحديث ، من أن من اطلع على آخر ففقأ المطلع عليه عين المطلع فلا شئ عليه .
وقالوا : إن قول المظاهر لامرأته : أنت علي كظهر أمي ، لما كان منكرا من القول وزورا كان ذلك علة لوجوب الكفارة .
قال أبو محمد : وقد أبطلوا تعليلهم هذا فكفوا مؤنة أنفسهم ، فأقروا أن قول المرأة لزوجها : أنت علي كظهر أمي ، منكر من القول وزورا ، ولم يوجب ذلك عليها الكفارة ، وقال تعالى : * ( ما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبنائكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق ) * فسوى الله تعالى بين قول الرجل لامرأته ، أنت علي كظهر أمي ، وبين ادعائه ولد