الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١١١٢ - الباب التاسع والثلاثون في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين


قال أبو محمد : وحدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد ، ثنا إبراهيم بن أحمد ، ثنا الفربري ، ثنا البخاري ، ثنا عبد الله بن الصباح ، ثنا أبو علي الحنفي ، ثنا قرة بن خالد قال انتظرنا الحسن فجاء فقال : دعانا جيراننا هؤلاء ، ثم قال : قال أنس بن مالك نظرنا النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة حتى إذا كان شطر الليل يبلغه جاء فصلى لنا ثم خطبنا فقال : ألا إن الناس قد صلوا رقدوا ، وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة .
قال أبو محمد : فقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأسباب التي يختار لها تأخير العتمة انتظار الصلاة ، فيكون المنتظر لها في صلاة ما انتظرها ، ولم يكن هذا علة عند القائلين بالعلل في اختيار تأخير العصر والمغرب ، فإذا كان ما نص النبي صلى الله عليه وسلم عندهم ليس علة يبنى عليها ، فالتي ولدوها بآرائهم الكاذبة أولى أن لا يبنى عليها .
وقد تعدى بعضهم ممن لم يتق الله عز وجل إلى أطم من هذا . فقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالامر ويقول بالقول مما لا يجوز ، لكن لعلة شئ آخر أراده .
قال : وذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم : لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ، ثم ذكر أن يحرق بيوت المتخلفين عن الصلوات في الجماعات فقالوا هذا لا يجوز ، وإنما قاله صلى الله عليه وسلم تغليظا ، لا أنه أراد ذلك .
وقالوا : إن أمره صلى الله عليه وسلم بغسل الاناء من ولوغ الكلب سبعا ليس على إيجاب ذلك ، وإنما فعله ليزدجر الناس عن اتخاذها ، لأنها كانت تؤذي المهاجرين .
قالوا : ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم للذي دخل المسجد بهيئة بذة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقال : قم فاركع ركعتين قالوا : والركوع حينئذ لا يجوز ، وإنما أمره بذلك ليفطن له الناس فيتصدقوا عليه .
وقالوا : من ذلك أيضا أمره صلى الله عليه وسلم بفسح الحج ، إنما أمر به ، وهو لا يجوز ، ليريهم جواز العمرة في أشهر الحج ولهم من هذا التخليط المهلك كثير .
قال أبو محمد : وقائل هذا لولا أنه يعذر بشدة ظلمة الجهل ، وضعف العقل لما كان أحد أحق بالتفكير منه ، وبضرب العنق وباستيفاء المال ، لأنهم ينسبون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يأمر بالباطل وبما لا يجوز ، ويصفونه بالكذب .