الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١١١٣ - الباب التاسع والثلاثون في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين


وليت شعري أعجز النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يأمر بقتل الكلاب ، كما فعل إذ أمره الله تعالى ، حتى يحلق هذا التحليق السخيف ؟ الذي يشبه عقول المعللين لأمره بغسل الاناء من ولوغها سبعا ؟ .
أما من كان لهم عقل يعلمون به أنه أن من عصى أمره بألا تتخذ الكلاب ، وأن من اتخذ كلبا لم يبح له اتخاذه نقص من عمله كل يوم قيراطان ، فهو لامره بغسل الاناء سبعا ، أعصى وأترك ؟ تعالى الله عن هذا ، وتنزه نبيه صلى الله عليه وسلم عن هذا الوصف الساقط ، والصحابة رضي الله عنهم أطوع وأجل لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم من أن تكون هذه صفتهم ، أو تراه صلى الله عليه وسلم عجز عن أن يأمر أصحابه بالصدقة كما صرح لهم بذلك غير مرة حتى يأمر بركوع لا يجوز ؟ .
أترى الصحابة لم يعقلوا أن العمرة في أشهر الحج جائزة ، وقد اعتمد بهم النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك في أشهر الحج عمرتين متصلتين بعد ثالثة لم تتم ، عمرة الحديبية ، وعمرة القضاء ، بعدها ، وعمرته من الجعرانة بعد فتح مكة ، كلهن في أشهر الحج قبل حجة الوداع : أما اكتفوا بهذا وبأمره صلى الله عليه وسلم لهم في حجة الوداع :
فمن شاء منكم أن يهل بعمرة فليفعل فأهل بالعمرة نساؤه وكثير من أصحابه أما يكفي هذا من البيان بأن العمرة في أشهر الحج جائزة ؟ حتى يحتاج إلى أمرهم بما لا يحل ؟ بزعم من لا زعم له من فسخ الحج .
أما لمن نسب هذا إلى الصحابة رضي الله عنهم عقل أو حس يردعه عن هذا السخف والجنون ؟ .
إن من ظن هذا بهم لفي الغاية القصوى من الاستخفاف بأقدارهم ، أو في غاية الشبه بالأنعام ، بل هو أضل سبيلا .
وتراه صلى الله عليه وسلم لو لم يكن يريد إحراق بيوت المتخلفين عن الصلاة في الجماعة حقا ؟ أما كان يكتفى بأن يأمر بهجرهم ، كما فعل بالمتخلفين عن تبوك ؟ أو بطردهم ، كما طرد الحكم وهيتا المخنث ، أو بأدبهم كما أدب في الخمر قبل استقرار الحد فيها بالأربعين ؟ حتى يتعد إلى الكذب والاخبار بما لا يحل ؟ اللهم إنا نبرأ إليك من هذا القول الفاحش المهلك .
حدثنا حمام بن أحمد ، ثنا ابن مفرج ، ثنا ابن الأعرابي ، ثنا الدبري ، ثنا عبد الرزاق ،