الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١١٣٩ - الباب التاسع والثلاثون في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين


ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين ئ قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) * .
قال أبو محمد : وقال الله تعالى حاكيا عن إبليس إذ عصى وأبى عن السجود أنه قال : * ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) * .
فصح أن خطأ آدم عليه السلام إنما كان من وجهين : أحدهما : تركه حمل نهي ربه تعالى عن الوجوب . والثاني : قبوله قول إبليس أن نهي الله عن الشجرة إنما هو لعلة كذا . فصح يقينا بهذا النص البين أن تعليل أوامر الله تعالى معصية ، وأن أول ما عصى الله تعالى به في عالمنا هذا القياس ، وهو قياس إبليس على أن السجود لآدم ساقط عنه ، لأنه خير منه ، إذ إبليس من نار وآدم من طين ، ثم بالتعليل للأوامر كما ذكرنا ، وصح أن أول من قاس في الدين وعلل في الشرائع فإبليس . فصح أن القياس وتعليل الاحكام دين إبليس ، وأنه مخالف لدين الله تعالى ، نعم ولرضاه ، ونحن نبرأ إلى الله تعالى من القياس في الدين ، ومن إثبات علة لشئ من الشريعة ، وبالله تعالى التوفيق .
وقال الله عز وجل حاكيا عن قوم من أهل الاستخفاف أنهم قالوا إذا أمروا بالصدقة : * ( أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ) * .
قال أبو محمد : فهذا إنكار منه تعالى للتعليل ، لأنهم قالوا : لو أراد الله تعالى إطعام هؤلاء لاطعمهم دون أن يكلفنا نحن إطعامهم . وهذا نص لا خفاء به ، على أنه لا يجوز تعليل شئ من أوامره ، وإنما يلزم فيها الانقياد فقط وقبولها على ظاهرها .
وقال تعالى : * ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ) * فهم ظلموا فحرمت عليهم ، ونحن نظلم فلم تحرم علينا الطيبات التي أحلت لنا ، وقال عليه السلام : إننا سنركب سنن أهل الكتاب لو دخلوا جحر ضب لدخلناه فصح أننا ظلمنا كظلمهم ، ولم يحرم علينا ما حرم عليهم ، فبطل التعليل جملة ، إذ لو كان ظلمهم علة التحريم لوجب أن يكون ظلمنا علة فينا لمثل ذلك ، فلما لم يكن هذا كذلك ، علمنا أن الله تعالى جعل ظلمهم سببا لان حرم عليهم ما حرم ، ولم يجعل ظلمنا سببا لان يحرم علينا مثل ذلك ، فصح أنه يفعل ما يشاء في مكان ما من أجل شئ ما ، ولا يفعل ذلك في مكان آخر من أجل مثل ذلك الشئ بعينه ، وهذا