الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١١٣٤ - الباب التاسع والثلاثون في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين
حاشا ما خص عز وجل منها من نار إبراهيم الخليل عليه السلام ، ولم تزل كذلك مذ خلقها تعالى حتى في جهنم ، أعاذنا الله تعالى منها : قال الله تعالى : * ( كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ) * .
قال أبو محمد : فتفسخوا تحت هذا السؤال ، وتضوروا منه ، لأنه صحيح لا مخرج منه البتة .
فقال بعضهم : إنما تكون العلة علة إذا جعلها الله تعالى علة .
قال أبو محمد : وهذا ترك منهم لقولهم في العلل جملة ، وترك منهم للقياس ورجوع إلى النص ، وإذ قد راجعوا إلى هذا فلم يبق بيننا وبينهم إلا تسميتهم الحكم علة فقط ، فلو قالوا : لا يجب الحكم إلا إذا نصه الله عز وجل لوافقونا البتة ، ولكنهم تعلقوا باسم العلة ، لأنه مشترك ، ليرجعوا من قريب إلى تخليطهم ، وليتعدوا النص إلى ما لا نص فيه ، وهذا ما لا يسوغونه . وبالله تعالى التوفيق .
وقال بعضهم : هذا خبر الواحد هو حجة في إيجاب العمل ، وليس حجة في إيجاب العلم ، فلا تنكروا علينا كون الشئ علة في مكان ، وغير علة في مكان آخر .
فيقال له وبالله تعالى التوفيق : هذا تمويه منكم ، لا تتخلصون به مما ألزمناكم إياه لأننا لم ننكر نحن عليكم أن يكون الشئ حجة في مكانه وبابه ، وغير حجة فيما ليس بمكانه ولا ببابه ، وإنما أنكرنا عليكم أن يكون ما ادعيتموه علة حجة موجبة للحكم في بعض مكانها وبابها بغير نص ، وغير حجة في سائر بابها ، وبعض أماكنها من غير نص أيضا فهذا الذي أنكرنا عليكم لا ما سواه .
وأما خبر الواحد المسند من طريق العدول فهو حجة في إيجاب العمل أبدا إذا كان عن النبي صلى الله عليه وسلم عند جميعنا ، ثم اختلفنا ، فقالت طائفة منهم :
ومنه ما لا يضطر إلى العلم فهو غير موجب للعلم أبدا ، وما كان منه يضطر إلى العلم بأسباب معروفة فيه فهو موجب للعلم أبدا .