الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١١٣٣ - الباب التاسع والثلاثون في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين
وقال بعضهم : علة تحريم البر بالبر متفاضلا أنه مطعوم .
وقال بعضهم : العلة في ذلك أنه مكيل . وقال بعضهم : العلة في ذلك أنه مدخر .
قال أبو محمد : وكل واحد من هذه الطوائف مبطلة لما عدت به الأخرى ، فكلهم قد اتفق على إبطال التعليل بلا خلاف بينهم ، فليس ما أثبتت هذه الطائفة من التعليل بأثبت مما أثبتت الأخرى ، ولا بعض هذه العلل أولى بالسقوط من سائرها ، بل كلها دعوى زائفة ساقطة لا برهان عليها ، وهكذا جميع عللهم .
وليت شعري كيف يسهل على من يخاف سؤال الله تعالى يوم القيامة أن يأتي بعلة لم يجدها قط لا لله تعالى ولا لرسوله صلى الله عليه وسلم فيثبتها في الدين ، فإنما ينسبها إلى الله تعالى فيكذب عليه ، أو إلى رسوله صلى الله عليه وسلم فيقوله ما لم يقل ، أو لا ينسب ذلك إلى الله تعالى ولا إلى رسوله صلى الله عليه وسلم فيحصل في أن يحدث دينا من عنده نفسه ، ولا بد من إحداهما ، وهما خطتا خسف ، نعوذ بالله منهما ، وبالله تعالى التوفيق .
قال أبو محمد : ومنهم طوائف يمنعون من تخصيص العلل ، ثم يجعلون علة الربا في التمر بالرطب مخصوصة يحدث العرايا . فيقرون أن النص أبطل علتهم ، ولو كانت حقا ما أبطلها ، لان الحق لا يبطل الحق ، وكذلك لا يمكن أن يبطل حديث صحيح حديثا صحيحا إلا على سبيل النسخ فقط ، وأما على معنى أن لا يقبل فلا سبيل إلى ذلك البتة . والحق لا يكذب بعضه بعضا أبدا .
قال أبو محمد : وقد سألهم من سلف من أصحابنا فقالوا : لو كانت العلة التي تدعون في الشرائع موجبة لما ادعيتم من تحليل أو تحريم ، لكانت غير مختلفة أبدا ، كما أن العلل العقلية لا تختلف أبدا .
مثال ذلك : أن الشدة والاسكار لو كانا علة لتحريم لكانت الخمر حراما مذ خلقها الله تعالى ، فالخمر لم تزل مذ خلقها الله تعالى شديدة مسكرة ، وقد كانت حلال في الاسلام سنين ، وهي على الصفة هي الآن لم تبدل ، ولا حدثت لها حال لم تكن قبل ذلك فبطل بهذا أن تكون الشدة علة التحريم ، كما أن الباري تعالى جعل النارية علة الاحراق وتصعيد الرطوبات ، فلا تزال كذلك أبدا ،