الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠٦٤ - فصل في إبطال القياس بالبراهين الضرورية


وقال تعالى : * ( فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ) * فنص تعالى على ألا تضرب له الأمثال ، وهذا نص جلي على إبطال القياس وتحريمه ، لان القياس ضرب أمثال للقرآن ، وتمثيل ما لا نص فيه بما فيه النص ، ومن مثل ما لم ينص الله تعالى على تحريمه أو إيجابه بما حرمه الله تعالى وأوجبه ، فقد ضرب له الأمثال ، وواقع المعصية ، نعوذ بالله من ذلك ، ونص تعالى على أنه يعلم ونحن لا نعلم ، فلو علم تعالى أن الذي لم ينص عليه مثل الذي نص عليه لأعلمنا بذلك وما أغفله وما ضيعه ، قال تعالى : * ( وما كان ربك نسيا ) * وقال تعالى : * ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ) * فصح أن العربية بها أرسل الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ، فبهذا بين لنا ، وقال تعالى : * ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) * فكل ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن الله تعالى بينه ، وقد علمنا يقينا وقوع كل اسم في اللغة على مسماه فيها وأن البر لا يسمى تبنا ، وأن الملح لا يسمى زبيبا ، وأن التمر لا يسمى أرزا ، وأن الشعير لا يسمى بلوطا ، ولا الواطئ آكلا ، ولا الآكل واطئا ، ولا القاتل مظاهرا ، ولا المظاهر قاتلا ، ولا المعرض قاذفا .
فإذ قد أحكم اللسان كل اسم على مسماه لا على غيره ، ولم يبعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالعربية التي ندريها . فقد علمنا يقينا أنه صلى الله عليه وسلم إذا نص في القرآن أو كلامه على اسم ما بحكم ما ، فواجب ألا يوقع ذلك الحكم إلا على ما اقتضاه ذلك الاسم فقط ، ولا نتعدى به الموضع الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ، وألا يخرج عن ذلك الحكم شئ مما يقتضيه الاسم ويقع عليه فالزيادة على ذلك في الدين وهو القياس ، والنقص منه نقص من الدين ، وهو التخصيص ، وكل ذلك حرام بالنصوص التي ذكرنا ، فسبحان من خص أصحاب القياس بكلا الامرين فمرة يزيدون إلى النص ما ليس فيه ، ويقولون هذا قياس ، ومرة يخرجون من النص بعض ما يقتضيه ويقولون : هذا خصوص ، ومرة يتركونه كله ويقولون : ليس عليه العمل ، والعبرة معترضة عليه كما فعل الحنفيون في حديث المصراة والاقراع بين الأعبد ، وكما فعل المالكيون في حديث تمام الصوم لمن أكل ناسيا ، وحديث الحج على المريض البائس والميت