الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠٦٦ - فصل في إبطال القياس بالبراهين الضرورية
ليس لأحد أن يقول بغير ما لم يقل الله تعالى به . وفي هذا كفاية لمن وجعلنا - نحن وهم - نساء النبي صلى الله عليه وسلم أمهاتنا في التحريم كما جاء النص فقط .
ثم لم نقس على ذلك رؤيتهن كما نرى أمهاتنا ، بل حرم ذلك علينا ، ولا قسنا إخوتهم وبنيهم على أخوال الولادة وإخوة الولادة . بل حل لهم نكاح نساء المسلمين ، وحل لرجال المسلمين نكاح أخواتهن وبناتهن ، فبطل حكم القياس يقينا وصح لزوم النص فقط ، وألا يتعدى أصلا .
وفي آية واحدة مما ذكرنا كفاية لمن اتقى الله عز وجل ونصح نفسه ، فكيف ، وقد تظاهرت الآيات بإبطال ما يدعونه من القياس في دين الله تعالى . وكذلك أيضا جاءت الأحاديث الصحاح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبطال القياس كما حدثنا عبد الله بن يوسف بن نامي ، ثنا أحمد بن فتح ، ثنا عبد الوهاب بن عيسى ، ثنا أحمد ابن محمد ، ثنا أحمد بن علي ، ثنا مسلم ، ثنا ابن نمير ، ثنا روح بن عبادة ، ثنا شعبة ، مسلم : وحدثني زهير بن حرب ، ثنا يحيى بن سعيد ، عن شعبة قال : أخبرني أبو بكر بن حفص عن سالم بن عمر قال : إن عمر رأى على رجل من آل عطارد قباء من ديباج أو حرير ، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لو اشتريته فقال :
إنما يلبس هذا من لا خلاق له ، فأهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلة سيراء فأرسل بها إلي فقلت : أرسلت بها إلي وقد سمعتك قلت فيها ما قلت ؟ قال : إنما بعثتها إليك لتستمتع بها .
وقال ابن نمير في حديثه : إنما بعثتها إليك لتنتفع بها ، ولم أبعث بها إليك لتلبسها .
وبالسند المذكور إلى مسلم قال : حدثنا شيبان بن فروخ ، ثنا جرير بن حازم ، ثنا نافع عن ابن عمر قال : رأى عمر عطاردا اليمني يقيم بالسوق حلة سيراء ، فقال عمر : يا رسول الله ، إني رأيت عطاردا يقيم في السوق حلة سيراء ، فلو اشتريتها فلبستها لوفود العرب إذ قد مرا عليك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة فلما كان بعد ذلك أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلل سيراء ، فبعث إلى عمر بحلة ، وإلى ابن زيد بحلة ، وأعطى علي بن أبي طالب حلة ، وقال : اشققها خمرا بين نسائك فذكر