الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠٦٧ - فصل في إبطال القياس بالبراهين الضرورية


أمر عمر قال : وأما أسامة فراح في حلته ، فنظر إليه رسول الله ( ص عرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنكر ما صنع ، فقال : يا رسول الله : ما تنظر إلي ، فأنت بعثت بها إلي ؟ فقال : إني لم أبعثها إليك لتلبسها ، ولكن بعثت بها لتشققها خمرا بين نسائك .
فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمر تسويته بين الملك والبيع والانتفاع ، وبين اللباس المنهي ، وأنكر على أسامة تسويته بين الملك واللباس أيضا ، وكل واحد منهما قياس ، فأحدهما حرم قياسا ، والآخر أحلى قياسا ، فأنكر عليه السلام القياسين معا ، وهذا هو إبطال القياس نفسه .
ولا بد في هذين الحديثين من أحد مذهبين : إما أن يقول قائل : إن النبي صلى الله عليه وسلم إذ نهى عن لباس الحرير ، ثم وهبهما حلل الحرير ، أن يكون لبس عليهما وهذا كفر من قائله ، أو أنه صلى الله عليه وسلم بين عليهم المحرم من الحرير وهو اللباس المنصوص عليه فقط ، وبقي ما لم يذكر على أصل الإباحة ، فأخطأ رضي الله عنهما إذ قاسا ، وهذا هو الحق الذي لا يحل لاحد أن يعتقد غيره .
وبالله تعالى التوفيق .
حدثنا أحمد بن قاسم ، ثنا أبي قاسم بن محمد بن قاسم ، ثنا جدي قاسم بن أصبغ ، ثنا بكر بن حماد ، نا حفص بن غياث ، عن داود بن أبي هند ، عن مكحول ، عن أبي ثعلبة الخشني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحد حدودا فلا تعتدوها ، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء من غير نسيان لها - رحمة لكم - فلا تبحثوا عنها .
كتب إلي النمري يوسف بن عبد الله ، نا أحمد بن عبد الله بن محمد علي الباجي ، ثنا الحسين بن إسماعيل ، نا عبد الملك بن يحيى ، نا محمد بن إسماعيل ، ثنا سنيد بن داود ، نا محمد بن فضيل ، عن داود بن أبي هند ، عن مكحول ، عن أبي ثعلبة الخشني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها ، وحد حدودا فلا تعتدوها . وعفا عن أشياء - رحمة لكم لا عن نسيان - فلا تبحثوا عنها .