الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١١٤٩ - الباب التاسع والثلاثون في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين
الحيوانات بيننا حتى تتقابل كالديكة والكباش والقبج وقتلها لغير أكل أنه غاية السفه ، والباري تعالى يفعل كل ذلك ويقتل الحيوانات لغير أكل ، ويسلط بعضها دون مثوبة للقاتل منهما ولا المقتول ، وهو أحكم الحاكمين .
وهذا خلاف الرتبة بيننا فبطل قوله : إن الله تعالى لا يفعل شيئا إلا لمصالح عباده ، وصح بالضرورة أنه يفعل ما يشاء لصلاح ما شاء ، ولفساد ما شاء ، ولنفع من شاء ، ولضر من شاء ، ليس ههنا شئ يوجب إصلاح من صلح ، ولا إفساد من أفسد ، ولا هدي من هدى ولا إضلال من أضل ، ولا إحسان إلى من أحسن إليه . ولا الإساءة إلى من أساء إليه ، لكن فعل ما شاء * ( لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون ) * وهم دائبا يسألون ربهم . لم فعلت كذا ، كأنهم لم يقرؤوا هذه الآية نعوذ بالله من الخذلان .
ونجده عز وجل قد حبب بين زوجين حتى أطاعاه وحبب بين آخرين حتى عصياه واشتغلا بما هما فيه عن الصلاة في أوقاتها وجذم صالحا وطالحا ، وسلم صالحا وطالحا وابتلى قوما فصبروا وابتلى قوما فكفروا وعافى قوما فصبروا وشكروا ، وعافى آخرين فبطروا وكفروا ، وعمر صالحا وطالحا أقصى العمر ، واخترم صالحا وطالحا في حداثة السن ، وجعل عيسى عليه السلام نبيا حين سقوطه من بطن أمه ، وآتى يحيى الحكم صبيا ، وبسط لفرعون أنواع الغرور حتى قال :
أنا ربكم الاعلى ، وخلق قوما ألباء فهماء كفارا كالفيومي اليهودي ، وأبي ريطة اليعقوبي ، وقوما ألباء فهماء مسلمين ، وقوما بلداء كفارا ، وقوما بلداء مسلمين ، فبأي شئ استحق عنده هؤلاء أن يرزقهم الفهم ؟ وهؤلاء أن يمنعهم إياه ؟ .
فإن قالوا : لو رزق بلداء الكفار الفهم لكانوا ضررا على المسلمين ، أريناهم من ذكرنا ممن كان ضررا عليهم ، فصح تناقضهم وأكذبهم الباري عز وجل بقوله :
* ( إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ) . بقوله تعالى * ( أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات ) * فأخبر تعالى أنه أنما أملى لهم لضررهم لا لنفعهم ولا لمصلحتهم وكذلك يكذبهم أيضا قوله تعالى * ( إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الحياة