الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١١٤٦ - الباب التاسع والثلاثون في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين


وهي أيضا أصل لقول من قال : إن للعالم لم يزل وخالقه تعالى لم يزل ، لأنهم جعلوا علة الخلق وجوده تعالى ، ووجوده لم يزل ، فخلقه لم يزل .
وهي أيضا أصل لقول من قال : بأن العالم له خالقان ، من المانية والديصانية لأنهم قالوا : تعالى الله عن أن يفعل شيئا من غير الحكمة ، ولغير مصالح عباده ، فصح بذلك عندهم أن خالق السفه والشر ومضار العباد خالق آخر ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا .
وهي أيضا أصل لقول من قال بالتناسخ ، لأنهم قالوا : محال أن يعذب الحكيم من لم يذنب ، وأن يفعل شيئا إلا لعلة ، ومحال أن يعذب أقواما ليعظ آخرين ، أو ليجازي بذلك آخرين ، أو ليجازيهم بذلك ، وهو قادر على المجازاة بلا أذى ، ذلك هذا عبث فيما بيننا ، فلما رأيناه تعالى يعذب الأطفال بالجدري والقروح والجوع ، ويسلط بعض الحيوان على بعض ، علمنا أن ذلك لذنوب تقدمت لا نفس ذلك الحيوان وأولئك الصبيان ، وأنهم قد كانوا بالغين عصاه قبل أن تنسخ أرواحهم في أجسام الصبيان والحيوان .
وهي أيضا أصل لقول من أبطل النبوات كالبراهمة ومن اتبعها ، فإنهم قالوا : ليس من الحكمة أن يبعث الله تعالى نبيا إلى من يدري أنه لا يؤمن به .
قال أبو محمد : ثم حسدتهم المعتزلة على هذه القضية فأخرجوا على حكم الله تعالى وعن خلقه وقدرته وجميع أفعال العباد ، فضلوا ضلالا بعيدا ، وأثبتوا خالقين كثيرا غير الله تعالى .
وسلم الله تعالى من هذه البلية أهل الاثبات ، فنفس عليهم إبليس اللعين عدو الله السلامة ، فبغي لهم الغوائل ، ونصب لهم الحبائل ، ووسوس لهم القول بالعلل في الاحكام ، فوقعوا في القضية الملعونة التي ذكرنا .
وأصحب الله تعالى عصمته منها أصحاب الظاهر فثبتوا على الجادة المثلى ، وتبرؤوا إلى الله تعالى من أن يتعقبوا عليه أحكامه أو أن يسألوه لم فعل كذا ، أو أن يتعدوا حدوده ، أو أن يحرموا غير ما حرم ربهم ، أو أن يوجبوا غير ما أوجب تعالى ، أو أن يحلوا غير ما أحل عز وجل ، ولم يتجاوز ما أخبرهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم فاهتدوا بنور الله التام ، الذي هو العقل ، الذي به تعرف الأمور على ما هي عليه ،