الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١١٤٧ - الباب التاسع والثلاثون في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين


ويمتاز الحق من الباطل ، ثم بنص القرآن وبيان رسول الله صلى الله عليه وسلم للدين ، إذ لا سبيل إلى السلامة في الآخرة إلا بهذين السبيلين . والحمد لله رب العالمين ، وهو المسؤول أصحاب الهداية حتى نلقاه على أفضل أحوالنا ، آمين .
قال أبو محمد : وكل هذه المقالات الفاسدة التي ذكرنا قد بينا بطلانها بالبراهين الضرورية في كتابنا المرسوم بكتاب الفصل في الملل والنحل والحمد لله رب العالمين .
ونقول في ذلك ههنا قولا كافيا ، يليق بغرض كتابنا هذا إن شاء الله تعالى فنقول وبالله تعالى التوفيق .
إن أول ضلال هذه المسألة قياسهم الله تعالى على أنفسهم في قولهم : إن الحكم بيننا لا يفعل شيئا إلا لعلة ، فوجب أن يكون الحكيم عز وجل كذلك .
قال أبو محمد : وهم متفقون على أن القياس هو تشبيه الشئ بالشئ ، فوجب أنهم مشبهون الله تعالى بأنفسهم ، وقد أكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله : * ( ليس كمثله شئ ) * ولو أن معارضا عارضهم فقال : لما كنا نحن لا نفعل إلا لعلة ، وجب أن يكون تعالى بخلافنا ، فوجب ألا يفعل شيئا لعلة لكان أصوب حكما وأشد اتباعا لقوله : * ( ليس كمثله شئ ) * وبالله تعالى التوفيق .
وأيضا : فإنهم بهذه القضية الفاضحة قد أدخلوا ربهم تحت الحدود والقوانين وتحت رتب متى خالفها لزمه السفه ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وهذا كفر مجرد دون تأويل ، ولزمهم - إن طردوا هذا الأصل الفاسد - أن يقولوا :
لما وجدنا الفعل منا لا يكون إلا جسما مركبا ذا ضمير وفكرة وجب أن يكون الفعال الأول جسما مركبا ذا ضمير وفكرة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
قال أبو محمد : فهذا يلزمهم كما ذكرنا .
ثم نبين بالبرهان الضروري بطلان قضيتهم من غير طريق إلزامهم طردها فنقول بالله تعالى التوفيق :
إن الحكيم منا إنما صار حكيما لأنه انقاد لأوامر ربه تعالى ، ولتركه نواهيه ، فهذا هو السبب الموجب على الحكيم منا ألا يفعل شيئا إلا لمنفعة ينتفع بها في معاده أو لمضرة يستدفعها في معاده . وأما الباري تعالى فلم يزل وحده ولا شئ معه ولا مرتب قبله فلم يكن على الله تعالى رتبة توجب أن يقع الفعل منه على صفة ما دون