الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١١٤٨ - الباب التاسع والثلاثون في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين
غيرها ، بل فعل ما فعل كما شاء ، ولم يفعل ما لم يفعل كما لم يشأ فبطل تشبيههم أفعال الحكيم منا بأفعال الباري تعالى .
وأيضا : فإنا لم نسم الله تعالى حكيما من طريق الاستدلال أصلا ، ولا لان العقل أوجب أن يسمى تعالى حكيما ، وإنما سميناه حكيما لأنه سمى بذلك نفسه فقط ، وهو اسم علم له تعالى لا مشتق ، ويلزم من سمى ربه تعالى حكيما من طريق الاستدلال أن يسميه عاقلا من طريق الاستدلال ، وقد بينا فساد هذه الطريقة وبطلانها وضلالها في كتاب الفصل فبطلت قضيتهم الفاسدة جملة ، وصح أنها دعوة فاسدة منتقضة .
وأما قولهم : إنه تعالى يفعل الأشياء لمصالح عباده فإن الله تعالى أكذبهم بقوله :
* ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) * فليت شعري أي مصلحة للظالمين في إنزال ما لا يزيدهم إلا خسارا ، بل ما عليهم في ذلك إلا أعظم الضرر وأشد المفسدة ، ولقد كان أصلح لهم لو ينزل ، وما أراد الله تعالى بهم مصلحة قط ، ولكنهم من الذين قال تعالى فيهم : * ( ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ) * .
قال أبو محمد : ويقال لهم المصلحة جميع عباده فعل تعالى ما فعل ؟ أم لمصلحة بعضهم .
فإن قالوا لمنفعة جميعهم كابروا وأكذبهم العيان ، لان الله تعالى لم يبعث قط موسى عليه السلام لمنفعة فرعون ولا لمصلحته ، ولا بعث محمدا صلى الله عليه وسلم لمنفعة أبي جهل ولا لمصلحته ، بل لمضرتهما ولفساد آخرتهما ودنياهما ، وهكذا القول في كل كافر ، لو لم يبعث الله من كذبوه من الأنبياء لكان أصلح لدنياهم وآخرتهم .
وأيضا فلا شئ في العالم فيه مصلحة لانسان إلا وفيه مضرة لآخر ، فليت شعري ما الذي جعل الصلاح على زيد بفساد عمرو حكمه ؟ وكل من فعل هذا بيننا فهو سفيه ، بل هو أسفه السفهاء ، والله تعالى يفعل كل ذلك وهو أحكم الحكماء ، فيلزمهم على قياسهم الفاسد . وأصلهم الفاضح أن يسفهوا ربهم تعالى ، لأنه عز وجل يفعل ما هو سفه بيننا لو فعلناه نحن ، وقد وجدنا من أغرى بين