الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١١٣٧ - الباب التاسع والثلاثون في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين
في أحكام الله تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم ما لم يأت به نص ، لكن تعليلا منهم وقياسا ثم يتحرون تجنب مثل هذا في أقوال أبي حنيفة ومالك والشافعي ، فلا يتعدون نصوص أقوالهم ، فقالوا : خطاب الآدميين وقد يكون فاسدا ولا حكمة فيه ، وخطاب الله تعالى حكمة .
قال أبو محمد : وهذا تمويه لا ينفك به من السؤال المذكور ، ويقال له : أي فساد في خطاب امرئ موص في ماله بما أباحه له الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة ، ولم يتعد إلى مكروه ؟ فلو جاز ألا يحمل كلامه على موجبه ومفهومه خوف فساده ، لما جاز تنفيذ تلك الوصية جملة خوف فسادها فلما اتفقوا معنا على تجويز تلك الوصية وحملها على ظاهرها ، صح أنها حق ، وبطل تمويه من رام الفرق بين ما سألناهم عنه ، من حملهم كلام الناس على ظاهره ومفهومه وحملهم كلام ربهم تعالى على الكهانات بالدعاوي والظنون ، وما ليس فيه ولا مفهوما منه وقلنا لهم : فيم غلبتم ما لم يؤمن فساده وما لا حكمة فيه ، من أقوال أبي حنيفة المتخاذلة ، وأقوال مالك المتناقضة ، وأقوال الشافعي المتعارضة ، على المضمون فيه الحكمة من كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ؟ حتى صرتم لا تأخذون من النصوص إلا ما وافق كلام أحد المذكورين ، ولا تزالون تتحيلون في إبطال حكم ما خالف قولهم من القرآن السنة بأنواع الحيل الباردة الغثة ؟ والسؤال يعد لهم لازم لا انفكاك عنه أصلا ، وبالله تعالى التوفيق .
ومما احتج به عليهم أصحابنا في إبطال العلل والقياس نهي الله تعالى الناس عن سؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وأمرهم الاقتصار على ما يفهمون مما يأمرهم به فقط ، فلو كان المراد من النص غير ما سمع منه لكان السؤال لهم لازما ، ليتبينوا ويتعلموا ، فلما منعوا من السؤال أيقنا أنهم إنما لزمهم ما أعلموا به فقط .
فأجاب بعض أصحاب القياس فقال : إنما نهوا عن سؤال من سأل عن أبيه .
قال أبو محمد : وهذا الكذب بعينه لان نص الآية يكذب هذا القائل في قوله تعالى بعقب النهي عن السؤال : * ( قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ) وبين ذلك طلحة رضي الله عنه في قوله : كنا نهينا أن نسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن شئ فكان يعجبنا أن يأتي بالرجل العاقل من أهل البادية فيسأله ونسمع ،