الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١١١١ - الباب التاسع والثلاثون في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين


مانعة من الذبح لما هي فيه ، لما كان لذكر السن معنى ، ولكان تلبيسا لا بيانا ، فوضح يقينا أن العظمة ليست ما من الذبح بالجرم الذي هي فيه ، إلا أن يكون في سن فقط ، وكذلك القول في الحديث الآخر ولا فرق .
والقائلون بخلاف قولنا قد تناقضوا في الحديث المذكور نفسه ، ولم يعنونا في طلب تناقضهم إلى مكان بعيد ، لكن أتوا إلى قوله صلى الله عليه وسلم في ذلك الحديث نفسه : وأما الظفر فإنه مدى الحبشة فكان يلزمهم - إذا جعلوا قوله صلى الله عليه وسلم فإنه عظم سببا مانعا من الذبح بكل عظم - أن يجعلوا قوله عليه السلام : وأما الظفر فإنه مدى الحبشة مانعا من التذكية بكل مدية كانت لحبشي ، وهذا ما لا يقولونه ، بل اقتصروا على المنع من الذبح بالظفر فقط . فلو فعلوا كذلك في السن فمنعوا من الذبح به ولم يتعدوه إلى سائر العظام لكان اهدى لهم ، ولكن هكذا يتناقض أهل الخطأ .
وأما أصحاب مالك وأبي حنيفة ، وهم المغلبون للقياس على نصوص القرآن والحديث في كثير من أقوالهم ، فإنهم تركوا القياس ههنا جملة ، فأجازوا الذبح بكل عظيم ، لم يقنعوا بهذا إلا حتى تجاوزوا ذلك إلى تخصيص النص بلا دليل ، فأجازوا الذبح بكل سن نزعت ، واقتصروا على المنع من الذبح بالسن التي لم تنزع ، وأجازوا الذكاة بكل ظفر قلع وهذا خطأ منهم . والناقص من الدين كالزائد فيه ولا فرق .
* ( ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ) * فلو كان التعليل صوابا لكان ما له نص الله تعالى عليه ورسوله صلى الله عليه وسلم بأن جعله سببا للحكم أولى ، عند كل من له مسكة عقل ودين ، من علة يتكهنون في استخراجها بلا دليل فهم قد قلبوا ذلك كما ترى .
قال أبو محمد : وأما الصواب الذي لا يجوز غيره فهو أن السن والظفر لا يحل الذبح بهما ولا النحر ، منزوعين كانا أو غير منزوعين ، فأما ما عداهما ، من عظم ومن مدي الحبشة أو غير ذلك مما يفري ، فحلال الذبح به والنحر والتذكية .
فإن قالوا : إن الاجماع منعنا أن يطرد التعليل في مدي الحبشة في الحديث المذكور ، قيل لهم وبالله تعالى التوفيق : قد ثبت الاجماع على صحة قولنا ، وعلى إبطال التعليل ، وإلا نتعدى السبب المنصوص عليه إلى ما لم ينص عليه ، ولو كان التعليل حقا ما جاز وجود الاجماع بخلافه .