الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠٩٢ - فصل في إبطال القياس بالبراهين الضرورية


ثم قاسوا بعضهم على بعض في وجوب القضاء عليهم ، حاشا الكافر يسلم ، فلم يقيسوه عليهم في وجوب القضاء . وقاسه بعضهم عليهم ، فأوجبوا عليه القضاء .
وأطرف من هذا قياس بعضهم من غلبته ذبابة فدخلت حلقه ، على الاكل عمدا في إيجاب القضاء فقط عليه ، ولم يقس على ذلك من أخرج بلسانه من بين أسنانه الجريدة - ولعلها من مقدار الذبابة - فيبلعها عمدا في نهار رمضان .
فقالوا : صومه تام ولا قضاء عليه .
وقاس بعضهم : المجنون على الحائض في إيجاب قضاء رمضان عليهما ، ولم يقيسوه عليها في وجوب الحدود عليها .
وقاس بعضهم من لمس عمدا فأمنى على المجامع عمدا في القضاء والكفارة ، ولم يقس من استعط عمدا فوجد طعم ذلك في حلقه على الاكل عمدا لم يوجب فيه كفارة .
وقاس بعضهم المغمى عليه في رمضان على المريض في إيجاب القضاء عليه ، ولم يقسه عليه في إيجاب قضاء ما ترك من الصلوات عليه وقاسه بعضهم في إيجاب الصلوات .
وأوجب بعضهم على من أكره امرأته على الجماع في نهار رمضان أن يكفر عنها فيصوم عنها ولم يقس على ذلك إيجاب الصوم على من مات وعليه صوم .
وقاس بعضهم الاكل عمدا في نهار رمضان على الواطئ عمدا في نهار رمضان وأوجب عليهما الكفارة ، ولم يقيسوه على المتقيئ عمدا في نهار رمضان في إسقاط الكفارة عنه ، وقياس الاكل على القئ أولى من قياسه على الوطئ ، وقاسه بعضهم على المتقيئ فيما ذكرنا .
وفرقوا بين الواطئ والآكل بأن قالوا : الوطء يوجب أحكام لا يوجبها الاكل ، فالوطء يوجب الغسل والحد والصداق ، ولا يوجب شيئا من ذلك الاكل ولا الشرب ، والاكل يوجب الغرامة ، ولا يوجبها الوطئ ، والاكل من مال الصديق مباح ، ولا يجوز وطئ ملكه ، فقاسوا ترك الكفارة في الاكل على هذه الفروق .