الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١١٦٧


إذ الشبهة المتعلق بها في هذين الوجهين في غاية الوهاء لأنه دليل على صحتهما ، بل البرهان قائم على بطلانهما ، إلا أنهم قد تعلقوا في ذلك بأثرين واهيين ساقطين مصروفين أيضا عن وجههما ، أحدهما الحديث المنسوب إلى معاذ ، إلا أن من شبه عليه فظن أنه مصيب في ذلك فهو معذور مأجور ، فإن قامت عليه الحجة بطلان الرأي والاستحسان فثبت على القول بهما فهو فاسق ، لحكمه في الدين بما ليأذن به الله تعالى .
ومنها أن يتعلق بقول صاحب قد خالفه غيره من الصحابة ، أو بقول عالم ممن دونه ممن قد خالفه غيره من العلماء ، فهذا هو التقليد بعينه ، وليس من فعل هذا مجتهدا أصلا ، وهو حرام لا يحل ، فمن قد رأته معذور في ذلك ولم يبلغه المنع منه ولا بلغه أن ههنا عالما آخر مخالفا لهذا الذي تعلق به فهو معذور ، لأنه يظن أن هذا هو الحق وأما إذا بلغه أن عالما آخر مخالفا للذي تعلق هو به فهو فاسق . لأنه ليس بيده شبهة أصلا يتعلق بها في اتباع رجل بعينه دون غيره ، بل هو ضلال مبين . ونعوذ بالله من الخذلان .
وأما الوجوه التي لا تقع فيها على تفسيق المخالف لنا ولا على أنه مخطئ عند الله تعالى ، بل نقول نحن على الحق عند أنفسنا ومخالفنا عندنا مخطئ مأجور والله أعلم ، فأدق ذلك وأغمضه أن ترد آيتان عامتان ، أو حديثان صحيحان عامان ، أو آية عامة وحديث صحيح ، وفي كل واحدة من الآيتين ، أو في كل واحد من الحديثين ، أو في كل واحد من الآية والحديث - تخصيص لبعض ما في عموم النص الآخر منهما وذلك مثل قوله تعالى : * ( وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ) * مع قوله تعالى : * ( أو ما ملكت أيمانكم ) * وكقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :
لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن مع قوله صلى الله عليه وسلم : وقد ذكر الامام : وإذا قرأ القرآن فأنصتوا ومثل قوله تعالى : * ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) * مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم فإن خصومنا يقولون : * ( وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ) * وقد خص منه الأختين بملك اليمين قوله تعالى :
* ( أو ما ملكت أيمانكم ) * وقلنا نحن إن قوله تعالى : * ( أو ما ملكت أيمانكم )