الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١٠٥٠ - فصل في إبطال القياس بالبراهين الضرورية
من شئ ) * وقال تعالى : * ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) * وقال صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : اللهم هل بلغت ؟ قالوا : نعم . قال : اللهم اشهد . . . .
حدثنا محمد بن سعيد بن نبات ، ثنا أحمد بن عون الله ، ثنا قاسم بن أصبغ ، ثنا الخشني ، ثنا محمد بن المثنى ، ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن مرة الهمداني قال : قال عبد الله بن مسعود : من أراد العلم فليثر القرآن ، فإن فيه علم الأولين والآخرين ، هكذا رويناه عن مسروق والزهري ، أنه ليس شئ اختلف فيه إلا وهو في القرآن ، فصح بنص القرآن أنه لا شئ من الدين وجميع أحكامه إلا وقد نص عليه ، فلا حاجة بأحد إلى القياس .
فإن قالوا : إنما نقيس النوازل ، من الفروع على الأصول .
قال أبو محمد : وهذا ، لأنه ليس في الدين إلا واجب أو حرام أو مباح ، ولا سبيل إلى قسم رابع البتة ، فأي هذه أصل ، وأي هذه فرع فبطل قولهم ، وصح أن أحكام الدين كلها أصول لا فرع فيها ، وكلها منصوص عليه ، فلما اختلف الناس قط إلا في الأصول ، كالوضوء والصلاة والزكاة والحج ، والحرام من البيوع والحلال منها ، وعقود النكاح والطلاق وما أشبه ذلك .
فإن قالوا : لسنا ننكر أن الله تعالى لم يفرط في الكتاب من شئ ، ولا أن النبي صلى الله عليه وسلم بين ، ولكن النص والبيان ينقسم قسمين : أحدهما نص على الشئ باسمه ، والثاني نص عليها بالدلالة ، وهذا هو الذي نسميه قياسا ، وهو التنبيه على علة الحكم ، فحيثما وجدت تلك العلة حكم بها . قالوا : وهذا هو الاختصار وجوامع الكلم التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قيل لهم : وبالله تعالى التوفيق : هذا هو الباطل ، لان الذي تذكرون دعوى بلا دليل ، وتلك الدلالة تخلو من أن تكون موضوعة في اللغة ، التي بها خوطبنا وبها نزل القرآن ، لذلك المعنى بعينه . فهذا غير قولكم ، وهذا هو القسم الأول من النص على الشئ باسمه ، فلا تموهوا فتجعلوا النص قسمين ، أو تكون تلك الدلالة غير موضوعة في اللغة ، التي بها خوطبنا وبها نزل القرآن ، لذلك المعنى ، فإن كانت كذلك فهذا هو التلبيس والتخليط الذي تنزه الله تعالى ، ونزه رسوله صلى الله عليه وسلم عنه ، ولا يحل لاحد أن ينسب هذا إلى الله تعالى ، ولا إلى رسوله صلى الله عليه وسلم .