الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١١٣٢ - الباب التاسع والثلاثون في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين


ودليل ذلك أن السبب والغرض لا يخلوان من أنهما مخلوقان لله تعالى ، أو أنهما غير مخلوقين أصلا ، أو أنهما مخلوقان لغيره ، فمن جعلهما غير مخلوقين أصلا كفر ، لأنه يجعل في العالم شيئا لم يزل ، ومن قال : إنهما مخلوقان لغير كفر ، لأنه يجعل خالقا غير الله تعالى ، فثبت أنهما مخلوقان له تعالى وقد قام البرهان على أن كل ما دون الله تعالى فهو خلق الله ، فإذا قد ثبت أن الغرض والسبب مخلوقان لله تعالى ، فلا يخلو من أن يكون خلقهما لسبب أيضا ، ولغرض أو لا لسبب ولا لغرض ، فإن كان فعلها لسبب آخر ، وغرض آخر ، لزم أيضا فيهما مثل ذلك ، حتى تنتهي بقائل هذا إلى إثبات معدودات ومخلوقات لا نهاية لها . وهذا كفر من قائله ، وإن كان تعالى فعلهما لا لسبب ولا لغرض ، فهذا هو قولنا إنه تعالى يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه ، لا لسبب ولا لغرض ، حاشا ما نص تعالى عليه فقط أنه فعله للغرض أراده ، أو لسبب ، وأما ما لم ينص ذلك فيه فإنا نقطع على أنه تعالى فعله كما شاء لا لغرض ولا لسبب ، وأما ما لم ينص ذلك فيه فإنا نقطع على أنه تعالى فعله كما شاء لا لغرض ولا لسبب ولولا النصوص الواردة بذلك في بعض المواضع ما حل لمسلم أن يقول : إن الله تعالى فعل كذا لسبب كذا ، ولا إن له عز وجل في فعل كذا إرادة كذا * ( تلك حدود الله فلا تعتدوها ) * .
قال أبو محمد : ويقال لمن قال بالعلل وجعلها صفات في أشياء توجد فتشتبه بها ، فيوجب ذلك أن يحكم لها بحكم واحد : إنك لا تعدم معارضا بصفات أخر توجب غير الاحكام التي أوجبتم ، فإن أنتم أبطلتم حكم التشابه الذي يعارضكم به خصومكم فقد أقررتم أن الاتباع لا معنى له ، ولا يوجب حكما ، وليس قول خصومكم فيما أتوا به من ذلك بأولى بالسقوط من قولكم .
ومثال ذلك : أن تقولوا : لما أشبه النبيذ الخمر في أنه شديد ملذ مسكر وجب له التحريم من أجل ذلك ، فيعارضكم خصومكم فيقولون : لما أشبه النبيذ المسكر العصير في أنه لا يفكر مستحله ، وجب له التخليل من أجل ذلك ، فإن أبطلتم التشبيه الذي أتى به خصومنا فقد أقررتم أن التشبيه لا يوجب حكما ، وهذا عائدا على تشبيهكم الذي شبهتم ولا فرق .