الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١١١٩ - الباب التاسع والثلاثون في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين


ولا كان إلا وافقا للناس ونافعا لهم ، وكذلك قليل الخمر ليس فيه مما ذكر في الآية ، ولا في كل من يشربها تفسد أخلاقهم ، بل نجد كثيرا من الناس يبكون إذا سكروا ويكثرون ذكر الآخرة والموت والاشفاق من جهنم وتعظيم الله تعالى والدعاء في التوبة والمغفرة ، ونجدهم يكرمون حينئذ ويحلمون ، ويزول عنهم كثير من سفههم وتؤمن غوائلهم .
فصح بكل ما ذكرنا أن الله تعالى لم يجعل إرادة الشيطان لما ذكر تعالى في الآية سببا إلى تحريمها قط ، لكن شاء تعالى أن يحرمها إذ حرمها ، وقد كانت حلالا مدة ستة عشرة عاما في الاسلام ، وقد كان كل ذلك موجودا من الشيطان فينا وفي كثير الخمر وهي ، حلال يشربها الصالحون بعلم النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينكر ذلك . فلو كان ما وصفها الله تعالى به من الصد عن الصلاة ، وعن ذكر الله تعالى ، وإيقاع الشيطان العداوة والبغضاء بها علة للتحريم ، لما وجدت قط إلا محرمة ، لأنها لم تكن قط إلا مسكرة ، ولم يكن الشيطان قط إلا مريدا لالقاء العداوة والبغضاء بيننا فيها ، وكانت حلالا وهي بهذه الصفة فبطل أن يكون إسكارها علة لتحريمها ، أو سبب ، لا في الوقت الذي نص الله عز وجل على تحريمها فيه ولا قبله البتة ، لان قوله عز وجل : * ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ) * إنما هو إخبار عن سوء معتقد الشيطان فينا ، ولم يقل قط تعالى إن إرادة الشيطان لذلك هو علة تحريمها ، ولا أنه سبب تحريمها ، ولا يحل لاحد أن يخبر عن الله تعالى بما لم يخبر به عز وجل عن نفسه ، ولا أخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا هو قولنا : إن المراعى هو النص لا ما عداه أصلا . وبالله تعالى التوفيق .
وقد قال بعض أصحابنا : إن إرادة الشيطان إيقاع العداوة والبغضاء بيننا في الخمر ، إنما كان بعد تحريمها ، لان شاربها بعد التحريم صاد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة ، مبغض من الصالحين ومعاد لهم .
قال أبو محمد : وهذا أيضا قد اقتضاه الذي ذكرناه ، وزاد عليه وبالله تعالى نتأيد ، وقد أدى تعليلهم ، هذا الفاسد المفترى ، جماعة من الجهال إلى