الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١١٣٨ - الباب التاسع والثلاثون في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين
وقال النواس بن سمعان : أقمت بالمدينة سنة لا أهاجر ، يريد لا أبايع على الهجرة ، لأننا كنا إذا هاجر أحدنا لم يجز له أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن شئ أو كلاما هذا معناه . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : أعظم الناس جرما في الاسلام من سأل عن شئ لم يحرم فحرم من أجل مسألته ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : اتركوني ما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم ، ولكن إذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم فبطل اعتراض هذا المعترض .
فصل قال أبو محمد : ونحن موردون إن شاء الله تعالى ما في القرآن من النهي عن القول بالعلل في أحكام الله عز وجل وشرائعه ، فكتاب الله تعالى هو الحق الذي يقذف بالحق عن الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ، ومن أبى ذلك ختمنا له الآية ، وهو قوله تعالى : * ( ولكم الويل مما تصفون ) * .
قال أبو محمد : قال الله تعالى : * ( وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ) * فأخبر تعالى أن البحث عن علة مراده تعالى ضلالا ، لأنه لا بد من هذا ، أو من أن تكون الآية نهيا عن البحث عن المعنى المراد ، وهذا خطأ لا يقوله مسلم ، بل البحث عن المعنى الذي أراده الله تعالى فرض على كل طالب علم ، وعلى كل مسلم فيما يخصه فصح القول الثاني ضرورة ولا بد .
وقال الله تعالى : * ( فعال لما يريد ) * ، وقال تعالى : * ( لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ) * .
قال أبو محمد : وهذه كافية في النهي عن التعليل جملة ، فالمعلل بعد هذا عاص لله عز وجل ، وبالله نعوذ من الخذلان .
وقال تعالى : * ( ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ئ فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوأتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ئ وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ئ فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوأتهما وطفقا يخصفان عليهما من