الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١١٣٦ - الباب التاسع والثلاثون في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين


أن لا يتوضأ منه ولا يغتسل ، فلا يتعدوه إلى المحدث في الماء ، ولا إلى ما لم يبل فيه أصلا ، فإن الأوجب عليهم ألا ينسبوا إلى الله تعالى ولا إلى رسوله صلى الله عليه وسلم تعليلا لم ينصا عليه ، وأحكاما لم يأذنا بها ولا ذكراها أصلا ، ولا في كلامهما ما يوجبهما البتة ، ولكنهم اتقوا أن ينسبوا إلى الناس ما لا يقولون ، ولم يتقوا أن ينسبوا إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ما لم يقولا ، وحسبك بهذا عظيمة ، نعوذ بالله منها .
وقد شغب بعضهم في هذا السؤال بأن قال : كنا نعتق سائر عبيده السودان لو أن الموصي يقول لنا بعقب قوله : أعتقوا عبدي سالما لأنه أسود واعتبروا - فكنا حينئذ نعتق كل عبد له أسود .
قال أبو محمد : وهذا جواب فاسد من وجهين : أحدهما : أنه حتى لو قال ذلك ما جاز أن يعتق كل عبد له أسود ، لأنه ليس قوله اعتبروا أولى بأن يكون معناه قيسوا منه بأن يكون معناه واعتبروا بحالي التي أنا فيها فبادروا إلى طاعة ربكم ولا تخالفوا وصيتي .
وأيضا فيلزم من أجاب بهذا الجواب الفاسد ألا يقيس على شئ من الاحكام إلا حتى يكون إلى جنب كل حديث فيه حكم أو كل آية فيها حكم ، واعتبروا واعتبروا وهذا غير موجود في شئ من الاحكام ولا في الحديث ولا في صلة شئ من الآيات ، فبطل القياس جملة بنص قوله هذا المجيب ، ولله تعالى الحمد .
قال أبو محمد : والسؤال باق بحسبه عليهم ونزيدهم فيه فنقول : حتى لو قال :
فاعتبروا ، ثم لما كان نهارا آخر قال : اذبحوا كبشي الفلاني ، لأنه أعرج وله كباش عرج ، أيذبحون كل كبش له أعرج ، من أجل قوله بالأمس في أمر عتق عبد واعتبروا ؟ . أم لا يقدمون على ذلك إلا حتى يكون عند وصيته به واعتبروا ؟ .
فإن قالوا : نكتفي بقوله : واعتبروا مرة واحدة ، خرقوا الاجماع ، وهذا أمر لا يقولونه ، ولو قالوه لكانوا حاكمين بلا دليل ، ومدعين بلا برهان ، وإن لم يقولوا بذلك فقد تركوا القياس جملة ، ولزمهم طلب هذه اللفظة إلى جنب كل آية وحديث وهذا لا يجدونه أبدا .
قال أبو محمد : وقد قال بعضهم في جواب هذا السؤال ، إذ تتبعنا عليهم إدخالهم