الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ١١٣٥ - الباب التاسع والثلاثون في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين
وقالت طائفة : هو موجب للعلم أبدا إذا كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبطل تشبيههم للعلة بالخبر .
قال أبو محمد : واحتج عليهم من سلف من أصحابنا فقالوا : ما تقولون في إنسان قال في حياته أو عند موته : أعتقوا عبدي ميمونا لأنه أسود ، وله عبيد سود كثير ، أتعتقونهم لعلة السواد الجامعة لهم ، والتي جعلها علة في عتق ميمون قياسا على ميمون ؟ أم لا تعتقون منهم أحدا حاشا ميمون وحده ، فإن قلتم :
نعتقهم ، نقضتم فتاويكم ، وخالفتم الاجماع ، وإن قلتم . لا نعتقهم تركتم القول بإجراء العلل وبالقياس وعدتم إلى قولنا .
قال أبو محمد : وهذا إلزام صحيح ، ونحن نزيده بيانا فنقول ، وبالله تعالى التوفيق :
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأمراء سراياه : إذا نزلتم بأهل حصن أو مدينة فأرادوا أن تنزلوهم على حكم الله تعالى فلا تفعلوا ، فإنكم لا تدرون أتوافقون حكم الله تعالى فيهم أم لا ، ولكن أنزلوهم على حكمكم ، ثم اقضوا فيهم ما شئتم ، فإذا سألوكم أن تعطوهم ذمة الله عز وجل وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم فلا تعطوهم ذمة الله ولا ذمة رسوله صلى الله عليه وسلم ولكن أعطوهم ذمتكم ، فإن تخفروا ذمتكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله ، أو كلاما هذا معناه ، فهذا نص جلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الاقدام على نسبة شئ إلى الله تعالى بغير يقين لا يحل ، وأن نسبة ذلك إلى الانسان أهون وإن كان كل ذلك باطلا ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كان كذبا علي ليس ككذب على أحد ، فلو جاز أن يقال بالقياس وبالفعل لكان الاقدام به على كلام الناس ، وأحكامهم أولى من الاقدام به على الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم فلما اتفقوا على أن من قال : أعتقوا عبدي سالما لأنه أسود ، وله عبيد سود أنه لا يعتق غير سالم وحده الذي نص عليه ، اتقاء أن يعتقه ، وخوفا من تبديل أمر الموصي وكلامه ، فإن الأولى بهم أن يتقوا الله عز وجل في قوله صلى الله عليه وسلم في النهي عن الذبح بالسن : فإنه عظم . وفي أمره صلى الله عليه وسلم بهرق السمن إذا مات فيه الفأر ، فلا يتعدوا ذلك إلى كل عظم وكل زيت وكل دهن وكل كلب وكل سنور . وفي أمره صلى الله عليه وسلم البائل في الماء الراكد الذي لا يجزي