المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٣٠ - فصل ٢٢ فى أنّ القوّة القسرية يحدث عنها اختلاف أحوال حين تحرّك
القوّة الغريبة، فحينئذ تستولي القوّة الطبيعيّة، و تحدث حركة مائلة من تجاذب القوّتين احدهما إلى جهة القوّة الطبيعيّة.
و لو لا حال مصادمة المتوسّط و كسره للقوّة الغريبة لكانت القوّة الطبيعيّة لا تستولي عليها البتة إلّا بعد بلوغها الغاية التي يوجبها تناهي كلّ قوّة جسمانيّة.
و كلّ قوّة محرّكة على الاستقامة فسكونها فى تلك الغاية، لأنّ تلك الحركة تطلب ذلك السكون، فاذا بطل الميل و اندفع الجاذب عن تلك القوّة بموافاتها مكانها المطلوب عادت القوّة الطبيعيّة إلى فعلها إن وهنت القوّة بتمام فعلها او بأسباب اخرى.
و إنّما حكمنا بهذا الحكم، لأنّ القوّة الغريبة لو لا أنّها استولت على القوّة الطبيعيّة لما قهرت ميلها؛ ثمّ لا يجوز أن يستحيل المغلوب غالبا و الغالب مغلوبا إلّا بورود سبب على أحدهما او كليهما، و محال أن يتوهّم أنّ القوّة العرضيّة تبطل بذاتها، فلا يجوز أن يكون شىء من الأشياء يبطل بذاته او يوجد بذاته، بعد أن يكون له ذات تثبت و توجد؛ فالقوّة الطبيعيّة إنّما تعود غالبة على القوّة العرضيّة بمعاوق ينضمّ إليها، و ذلك أنّ المعاوق يعاوقها معاوقة بعد معاوقة تكون مقاومة لما يتحرّك فيه، فيكون لذلك تأثير فى القوّة الغريبة بعد تأثير. و قد شبعنا الكلام فى ذلك حيث تكلّمنا الكلام المبسوط على الأحوال كلّها، فانّ القوّة القسريّة حالها فى إيجاب الحركة بتجدّد الايون عليها حال الطبيعة إلى أن تبطل.
فان قال قائل: إنّا نرى الماء تبطل حرارته المستفادة بذاتها، لانّها عرضيّة.
فانّا نقول له: كلّا، بل كانت الحرارة تثبت قوّتها فى الماء لحضور علّتها المجدّدة لقوّتها دائما؛ فاذا بطلت علّتها و تجديدها فيه الحرارة شيئا بعد شىء أقبل عليها برد الهواء و القوّة المبرّدة فى الماء، فابطلاها، و كانا قبل يعجزان عن إبطالها، لحضور القوّة المسخّنة المجدّدة دائما بسخونة بعد سخونة، و تسخّن الهواء المماسّ لذلك الماء مع الماء.