المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٩٩ - فصل ٥ فى أنّ العقل الهيولانى بالقوّة عالم عقلى، و أنّه كيف يعقل المعقولات المحضة و المحسوسات التي هى معقولة بالقوّة، و أنّها إنّما تخرج الى الفعل بالعقل الفعّال، و أنّها أوّلا تكون عقلا بالملكة ثم بالفعل ثم عقلا مستفادا
فأوّل ما يحدث من العقل الفعّال فى العقل الهيولانى هو العقل بالملكة.
و هو صورة المعقولات الاولى التي حصل بعضها لا بتجربة و لا قياس و لا استقراء البتة مثل أنّ الكل أعظم من الجزء، و بعضها يحصل بالتجربة مثل أنّ كلّ أرض ثقيلة. و هذه الصورة تتبعها القوّة على كسب غيرها. فتكون كالضوء للأبصار.
و إذا حصل العقل بالملكة استعدّت النفس للعقل بالفعل و العقل المستفاد، و كلاهما واحد بالذات فمختلف بالاعتبار، فانّه إذا حصل العقل بالملكة تمكّنت النفس من استعمال القياس و الحدّ، و توصّلت إلى تحصيل العلوم المكتسبة و الاستكمال بها بالطلب.
و أمّا الاعتقاد و القبول بعد قيام القياس و الحدّ فيكون بفيضان نور العقل الفعّال، و يكون حينئذ حاله حال المعقولات الاولى. فانّه كما أنّ الكلّ أعظم من الجزء مقبول بنور العقل الفعّال بلا حجّة، فكذلك ما صحّ بالقياس و الحدّ مقبول بعد قيامهما بنور العقل الفعّال بلا حجّة. فانّ النتيجة بالحقيقة تال بيّن التلو لما كان قياسا كاملا. و كما أنّ هناك لو سأل سائل: لم كان هكذا لم يكن جواب، كذلك هاهنا إذا سأل سائل: لم كان القياس الصحيح و الحدّ الصحيح يوجب علما لم يكن جواب، بل المبدأ هو العقل الفعّال فى جميع ذلك.
فاذا حصل للنفس المعقولات المكتسبة صار من جهة تحصيلها لها- و إن كانت غير قائمة فيه بالفعل- عقلا بالفعل، لأنّ له أن يعقل متى شاء من غير استيناف طلب؛ و إذا اعتبر وجودها فيه بالفعل قائمة سمّيت تلك المعقولات عقلا مستفادا من خارج، اى من العقل الفعّال، بطلب و حيلة. و ربما قيل له عقل بالفعل بالقياس الى ذاته و مستفادا بالقياس الى فاعله.
و غاية كمال العالم العائد أن يحدث منه انسان، و سائر الحيوانات و النبات تحدث، امّا لاجله و إمّا لئلا يضيع مادّة، كما أنّ النجّار الحاذق يستعمل الخشب فى غرضه، فما فضل لا يضيّعه، بل يتّخذه قسيّا، و خلالا، و غير ذلك. و غاية كمال